التوحيد بالله تعالى
التوحيد مصدر وحد يوحد، ومعنى وحدت الله تعالى اعتقدته
منفرداً بذاته وصفاته، لا نظير له ولا شبيه. قيل معنى وحدته:
v
علمته
واحداً.
v
سلبت عنه
الكيفية والكمية، فهو واحد فى ذاته لا انقسام له، وفى صفاته لا شبيه له، وفى
إلهيته وملكه وتدبيره لا شريك له، ولا رب سواه، ولا خالق غيره.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: لما بعث رسول الله
صلى الله عليه وسلم معاذا إلى أهل اليمن قال له: " إنك تقدم على قوم من أهل
الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى..".
عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال صلى الله عليه
وسلم: " يا معاذ ! أتدرى ما حق الله على العباد ؟ " قال: الله ورسوله
أعلم، قال: " أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدرى ما حقهم عليه ؟ "،
قال: الله ورسوله أعلم. قال: " أن لا يعذبهم ".
قال تعالى: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ،
اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا
أَحَدٌ "، وقال تعالى: "
وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
" [ البقرة 163 ]، " الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ " [ إبراهيم 48 ]،
" قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ
أَنتُم مُّسْلِمُونَ ". [ الأنبياء 108 ]
وصف الله تعالى نفسه بأنه أحد، هو الله الواحد
الأحد، الفرد الصمد، واحد لا أول لوجوده، ولا آخر لأبديته. هو الأول لم يولد فليس
قبله شئ، وهو الآخر لم يلد وليس بعده شئ، فهو الآخر قبل كل أول، والآخر بعد كل آخر،
والدائم بلا زوال، والقائم على كل شئ بغير انتقال، فهو تعالى واحد بلا عدد، قائم
بلا عمد، باقى بعد كل أحد، دائم بلا أمد.
قال الإمام محى الدين بن عربى: قالت اليهود لمحمد
صلى الله عليه وسلم: أنسب لنا ربك ؟ فأنزل الله تعالى عليه سورة الإخلاص، ولم يقدم
تعالى لهم من أدلة النظر دليلا واحدا، فقال تعالى: " قُلْ هُوَ اللَّهُ
" فأثبت الوجود، " أَحَدٌ " فنفى العدد وأثبت الأحدية لله سبحانه،
" اللَّهُ الصَّمَدُ " فنفى الجسم، " لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
" فنفى الوالد والولد، " وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ " فنفى
الصاحبة، كما نفى الشريك بقوله تعالى: " لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا
اللَّهُ لَفَسَدَتَا ". [ الأنبياء 22 ]
قال أحد العارفين بالله: " قل ": إثبات
الوحى والتنزيل، " هو ": براءة من النفى والتعطيل، " الله ":
براءة من الكفر والتبديل، " أحد ": براءة من الشرك والتعديل، "
الله الصمد ": نفى الآفات عنه بالتفصيل، " لم يلد ولم يولد ": نفى
التكثير والتفضيل، " ولم يكن له كفوا أحد ": نفى التشبيه والتمثيل.
وقال آخر: يا عارف قل: " هو "، يا
مشتاق قل: " الله "، يا مطيع قل: " أحد "، يا زاهد قل: "
الصمد "، يا عالم قل: " لم يلد ولم يولد "، يا عاصى قل: " ولم
يكن له كفوا أحد ".
وقال آخر: يا قلب قل: " هو "، يا سر قل:
" الله "، يا روح قل: " أحد "، يا لسان قل: " الصمد
"، يا سمع قل: " لم يلد ولم يولد "، يا بصر قل: " ولم يكن له
كفوا أحد ".
وقال آخر: كأن الله تعالى يقول: أيها الطالبون
" هو "، إشارتى، ويا أيها الراغبون " الله "، اسمى، ويا أيها
الموحدون " أحد "، نعتى، ويا أيها المشتاقون " الصمد "، صفتى،
ويا أيها العاملون " لم يلد ولم يولد " نسبتى، ويا أيها العارفون "
ولم يكن له كفوا أحد " هيبتى.
قيل للإمام على بن أبى طالب كرم الله تعالى وجهه:
متى كان الله تعالى ؟ قال: ومتى لم يكن ؟ هو الأول فلا شئ قبله، الآخر فلا شئ بعده،
الظاهر فلا شئ فوقه، الباطن فلا شئ دونه، وهو بكل شئ عليم.
يرى ابن خلدون أن التوحيد ليس الإيمان أو التصديق
وحده ، بل الكمال فى أن يحصل للنفس حالة يحصل عنها علم اضطرارى هو توحيد الله فى
ذاته وصفاته وأفعاله. وقال التهانوى: التوحيد مراتب، منها ما كان علميا بالبرهان
وهو الحاصل للنظار بأدلة النقل والعقل، ومنها ما كان عينياً مصدره الوجدان بأن يجد
صاحبه بالذوق والمشاهدة عين التوحيد ـ أى توحيد الله فى ذات صفاته وأفعاله ـ ويرى
حينئذ أن الذوات والصفات والأفعال متلاشية، ليس فيها وجود بجانب ما لله تعالى الذى
لا يرى غيره.
سئل أبو الحسن على بن محمد المزين عن المعرفة
بالله تعالى فقال: أن تعرف الله بكمال الربوبية، وتعرف نفسك بكمال العبودية، وتعلم
أن الله تعالى أول كل شئ، وبه يقوم كل شئ، وإليه يصير كل شئ، وعليه رزق كل شئ.
وسئل عن التوحيد فقال: أن توحد الله تعالى
بالمعرفة، وتوحده بالعبادة، وتوحده بالرجوع إليه فى كل ما لك وعليك، وتعلم أن ما
خطر بقلبك أو أمكنك الإشارة إليه فالله تعالى بخلاف ذلك، وتعلم أن أوصافه مباينة
لأوصاف خلقه.
فالله تعالى واحد من كل الوجوه، واحد فى ذاته،
واحد فى صفاته، واحد فى أفعاله، واحد فى عبادته.
v
واحد فى
ذاته لا قسيم له، أى إن ذاته واحدة وليست مركبة من أجزاء، وبالتالى لا يقبل
الانقسام والتجزئة، فنفى بذلك التعدد.
v
واحد فى
صفاته لا شبيه له ولا مثيل، أى أنه لا يوجد لأحد من المخلوقات صفة تشبه صفته فى
كمالها، فهو ليس كمثله شئ. فنفى عنه وجود صفة تشبه صفته.
v
واحد فى
أفعاله لا شري له ولا معين، أى أنه هو وحده الخالق المبدع لكل
شئ، وهو مستقل بالإيجاد والإبداع فنفى أن يكون لغيره من الحوادث فعل من الأفعال.
v
واحد فى
عبادته فلا شريك له ولا معبود سواه، فنفى أن يكون معه إله آخر يعبد.
أحـديته فى ذاته:
معناها أنه يستقل بوجوده عن وجود جميع الكائنات
والمخلوقات، فوجودها حادث بعد عدم، وهى محتاجة إلى علة توجدها، وتظل قائمة عليها، حافظة
وجودها طول ما كتب لها من بقاء. أما وجود الله تعالى فوجود أزلى، وجود لذاته، ومنه
انبثق الوجود كله. إنه واجب الوجود الذى لا أول لوجوده ولا آخر، والفرد الذى لا
تركيب فى ذاته، إذ لو كان مركبا من أجزاء وأقسام لتقدم وجود الأجزاء والأقسام على
وجود الكل الجامع لها والمؤلف منها، فيكون وجوده محتاجاً إلى وجود غيره، وهو ما
يتعارض مع وجوده الأزلى القديم. وهو أحد فلا إله سواه، وإن إشراك أى قوة من قوى
الطبيعة معه لشرك عظيم، فالله لا شريك له ولا مثيل.
سئل سهل بن عبد الله التسترى عن ذات الله تعالى
فقال: ذات الله موصوفة بالعلم، غير مدركة بالإحاطة، وقد حجب الخلق عن معرفة كنه
ذاته، ودلهم عليه بآياته، والقلوب تعرفه، والعقول لا تدركه، ينظر إليه المؤمنون
بالأبصار من غير إحاطة، ولا إدراك نهاية.
وقال الشبلى: من أشار إليه فهو ثنوى، ومن كيفه
فهو وثنى، ومن نطق فيه فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن وهم أنه واجد فهو فاقد،
وكل ما ميزتموه بأفهامكم، وأدركتموه بعقولكم فهو مصروف مردود إليكم، محدث مصنوع مثلكم.
فالعلم بذات الله تعالى أن يعلم الإنسان أنه
تعالى بقدم ذاته موجود، ولا حد له ولا حدود، ليس فى مكان وجهة، ولا تلحق بذاته آفة،
وليس كمثله شئ من خلقه، لا صاحبة له ولا ولد، وكل ما يتصوره الوهم فهو تعالى خلافه،
" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ". [ الشورى 11
]
وقد يؤدى التفكير فى الله تعالى عند بعض الناس أن
يذهب بهم أحيانا إلى البحث فى ذات الله تعالى، ثم إلى صور لا تليق بالخالق عز وجل،
وهذه الوسوسة هى من كيد الشيطان، وهو كيد ضعيف لا يزعزع إيمان المؤمن.
ولقد شكا أحد الصحابة إلى الرسول صلى الله عليه
وسلم أنه يجد فى نفسه لأن يكون حمَممة ( فحمة محترقة ) أحَبُّ إليه من أن يتكلم به.
فقال عليه السلام: " الله أكبر، الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة ".
قال الإمام ابن القيم: أرشد الرسول صلى الله عليه
وسلم مَنْ بُلى بوسوسة التسلسل فى الفاعلين ( أى البحث عن فاعل الفعل، ثم فاعل
فاعل الفعل ) إذا قيل له: الله خلق الخلق، فمن خلق الله ؟ أن يقرأ قوله تعالى:
" هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ ". [ الحديد 3 ]
وسأل أبو رُميل سماك بن الوليد الحنفى ابن عباس
رضى الله عنهما: شئ ما أجده فى صدرى ؟ قال: ما هو ؟ قال: والله لا أتكلم به ! قال:
فقل لى، أشئ من شك ؟ قال: نعم. قال: والله ما نجا من ذلك أحد حتى نزل قول الحق:
" فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ
يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ
تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ " [ يونس 94 ]، فإذا وجدت فى نفسك شيئا فاقرأ
قوله تعالى: " هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ".
وحـدانية الصـفـات:
تعنى تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوقين من
البشر وغير البشر، فهو متفرد بصفاته تفرده بذاته " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء "
لا فى الذات، ولا فى الصفات.
أما العلم بصفاته: هو أن تعلم أن صفاته قائمة به،
أى ليست منفصلة عنه، وهو بذاته قائم ودائم كالعلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع
والبصر " إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ " [ الأنفال 43 ]، "
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " [ الشورى 9 ]، " هُوَ الْحَيُّ لا
إِلَهَ إِلا هُوَ " [ غافر 65 ]، " فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ " [ البروج
16 ]، " هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ". [ الإسراء 1 ]، " فَعَّالٌ
لِّمَا يُرِيدُ " [ هود 107 ]
وحـدانية الأفعال:
هى التفرد فى خلق الكون والقيام عليه، وتدبير
نظامه المحكم بقوانين ماثلة فى جميع الأشياء، فلو كان معه شريك لتعددت الآلهة
وتنازعت فى الخلق وقوانينه، ولاضطرب نظام الكون واختل اختلالا يفضى إلى انهياره،
غير أن شيئا من ذلك لم يحدث، مما يدل دون أدنى شك على أن إلهاً واحداً هو الذى
يصرف الكون ويدبره، ويحفظ بناءه ونظامه، وسننه وقوانينه، وأنه صانع أحكم كل شئ فى
الوجود وقدّره تقديراً، يشهد بتفرده فى الخلق والتكوين والإبداع.
أما العلم بأفعاله هو أن تعلم أنه تعالى خالق
الخلق، وخالق أفعالهم، وكان العالم عدماً وبفعله وُجد، وهو مقدر الخير والرزق،
وخالق النفع والضر " اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ". [ الرعد 16 ]
والدليل على إثبات أحكام شريعته أن تعلم أنه قد
بعث إلينا الرسل بمعجزات تنقض العادة، وأن محمدا عليه الصلاة والسلام رسوله حقاً،
وكل ما أخبرنا من الغيب والعيان حق بجملته.
واحـدانية عـبادته:
هى طاعته والإخلاص له وحده، فلا شريك له ولا
معبود سواه، وإذا تحقق ذلك أضفى على الإنسانية كرامتين:
v كرامة
تحرير الروح من الشرك وعبادة الأوثان والأصنام والأحجار، وإعدادها لكى تتلقى ما
أودع فى فطرتها من الإيمان بالله وبوحدانيته، والإخلاص له إخلاصاً يسمو بالإنسان.
v كرامة
تحرير العقل من الخرافات، وكل ما اتصل بالوثنية من أوهام باطلة، وإعداده لكى يسترد
حقوقه التى كانت مهدرة، فلا يقع فى مخالب خرافة، ولا فى براثن أسطورة، ولا يصبح
لعبة فى يد كهان أومشعوذين.
No comments:
Post a Comment