بدأ
الخلق 3
أول الخـلـق :
نور الرسول صـلى الله عليه وسلم
فى حديث طويل أخرجه مسلم قال جابر بن عبد الله
الأنصارى رضى الله عنه سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن أول شئ خلقه الله تعالى
؟ قال عليه السلام: " هو نور نبيك يا جابر، خلقه ثم خلق منه كل خير، وخلق
بعده كل شئ ".
عن على بن أبى طالب وعن ابن عباس رضى الله عنهم
قالا: لما أراد الله تعالى خلق المخلوقات وذرأ البرية، قبل وجود الأرض ورفع السماء،
وهو فى انفراد ملكوته وتوحد جبروته، لمع نور من نوره، ثم اجتمع ذلك النور فى تلك
الصورة الخفية، فوافق صورة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل: قبض قبضة من نوره تعالى ثم قال لها: كونى
حبيبى محمد، أنت المختار المنتخب، عندك يستودع نورى وكنوز هدايتى، من أجلك أسطح
البطحاء، وأرفع السماء، وأجعل الثواب والعقاب، والجنة والنار، فطاف ذلك النور
بالعرش قبل خلق آدم بخمسمائة عام وهو يقول: الحمد لله، فقال تعالى: لأجل ذلك سميتك
محمداً.
روى أن الله تعالى لما خلق نور نبيه عليه الصلاة
والسلام أمره أن ينظر إلى نور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فغشيهم من نوره ما
أنطقهم الله تعالى به، وقالوا: يا ربنا من غشينا نوره ؟ قال: هذا نور محمد بن عبد
الله، إن آمنتم به جعلتكم أنبياء. قالوا: آمنا به وبنبوته، فقال: أشهد عليكم ؟
قالوا: نعم. فذلك قوله تعالى: " وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ
النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ
مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ
أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ
فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين ". [ آل عمران 81 ]
قال سهل التسترى: لما أراد الله تعالى أن يخلق
محمداً، ظهر من نوره نورا أنار المملكة كلها، فلما بلغ حجاب العظمة سجد لله سجدة،
فخلق الله تعالى من سجدته نورا مشفا كالزجاجة، يُرى باطنها بظاهرها، وظاهرها
بباطنها، فيه عَبَدَ محمد صلى الله عليه وسلم بين يدى رب العالمين ألف ألف عام،
بطبائع الإيمان، بمكاشفة الغيب بالغيب، قبل بدء الخلق بألف ألف عام، وخلق آدم من
نور محمد صلى الله عليه وسلم.
وعن على بن أبى طالب كرم الله تعالى وجهه قال:
قلت: يا رسول الله مم خلقت ؟ قال عليه السلام: " لما أوحى إلى ربى ما أوحى
قلت: مما خلقتنى ؟ قال تعالى: وعزتى وجلالى، لولاك ما خلقت أرضى ولا سمائى. قلت:
يا رب مما خلقتنى ؟ قال تعالى: وعزتى وجلالى، لولاك ما خلقت جنتى ولا نارى. قلت:
يا رب مما خلقتنى ؟ قال تعالى: يا محمد نظرت إلى صفاء بياض نورى الذى خلقته بقدرتى،
وأبدعته بحكمتى، وأضفته تشريفاً إلى عظمتى، فاستخرجت منه جزءا، فقسمته ثلاثة أقسام:
فخلقتك وأهل بيتك من القسم الأول، وخلقت أصحابك وأزواجك من القسم الثانى، وخلقت من
أَحبك من القسم الثالث، فإذا كان يوم القيامة رددت النور إلى نورى، وأدخلتك وأهل
بيتك وأصحابك ومن أحبك جنتى برحمتى، فأخبرهم بذلك عنى ".
قيل: كان المصطفى صلى الله عليه وسلم نورا داخل
جوهر، فلما خرج النور منه تفتت الجوهر وصار حب أرز. عن على رضى الله عنه قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: " كل شئ أخرجته الأرض فيه داء وشفاء، إلا الأرز
فإنه شفاء لا داء فيه ".
فالرسول صلى الله عليه وسلم مقدم ظهورا ورتبة
وتعيينا:
v
فسره من
حيث ظهوره من الكون مقدم على عالم الأسرار.
v
ونوره من
حيث تمثله بصورة الفيض مقدم على عالم الأنوار
v
وروحه من
حيث تعينه فى الوجود مقدم على عالم الأرواح.
v
وعنصره
من حيث بدوه بمقام أم القرى مقدم على عالم العناصر والأشباح.
فهو صلى الله عليه وسلم مقدم وأول، فى كل رتبة من
المراتب، وحقيقة من الحقائق.
قال ابن عربى فى " عنقاء المغرب ": نشأ
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على أكمل وجه، وأبدع نظام: بحر اللؤلؤ والمرجان،
المودع فى العالم الأكبر والإنسان، ولما تعلقت إرادة الله سبحانه بإيجاد خلقه،
وتقدير رزقه، برزت الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية، فى الحضرة الأحدية، ذلك
عندما تجلى لنفسه بنفسه من سماء الأوصاف، وسأل ذاته بذاته موارد الألطاف، فى إيجاد
الجهات والأكناف، فتلقى ذلك السؤال منه بالقبول والإسعاف، فكان المسئول والسائل،
والداعى والمجيب، والمنيل والنائل، فكمن فيه كمون تنزيه، ودخل جوده فى حضرة علمه،
فوجد الحقيقة المحمدية على صورة حكمه، فسلخها من ليل غيبه، فكانت نهارا، وفجرها عيونا وأنهارا.
ثم سلخ العالم منها، فكان سماء عليهم مدرارا،
وذلك أنه سحاب اقتطع من نور غيبه قطعة لم تكن به متصلة، فتكون عند القطع منفصلة،
ولما اقتطع المذكورة مضاهية للصورة، أنشأ منها محمداً عليه السلام على النشأة التى
لا تنجلى أعلامها، ولا يظهر من صفاته إلا أحكامها، ثم اقتطع العالم كله تفصيلاً
على ذلك.
وقال عبد الكريم الجيلى فى " الإنسان الكامل
": إن الله تعالى خلق الصورة المحمدية من نور اسمه البديع القادر، ونظر إليها
باسمه المنان القاهر، ثم تجلى عليها باسمه اللطيف الغافر، فعند ذلك تصدعت لهذا
التجلى صدعين، فصارت كأنها قسمت نصفين، فخلق الله تعالى الجنة من نصفها المقابل
لليمين، وجعلها دار السعادة للمنعمين، ثم خلق النار من نصفها المقابل للشمال،
وجعلها دار الأشقياء أهل الضلال.
قال ابن عربى وهو في هذا متأثر بسلفه الحلاج حيث قال:
" أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نور أنور
وأظهر وأقدم من القدم سوى نور صاحب الكرم، همته سبقت الهمم، ووجوده سبق العدم، واسمه
سبق القلم، لأنه كان قبل الأمم ".
قال الإمام أبو الحسن الماوردى: لما كان أنبياء
الله تعالى صفوة عباده، وخيرة خلقه، لما كلفهم من القيام بحقه، والرشاد لخلقه،
فاستخلصهم من أكرم العناصر، واجتباهم بمحكم الأواصر ( العهود )، فلم يكن لنسبهم من
قدح، ولمنصبهم من جرح، لتكون القلوب لهم أصفى، والنفوس لهم أوطا، فيكون الناس إلى
إجابتهم أسرع، ولأوامرهم أطوع، وأن الله تعالى استخلص نبيه محمد صلى الله عليه
وسلم من أطيب المناكح، وحماه من دنس الفواحش، ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام
منزهة.
قال ابن عباس رضى الله عنهما فى تأويل قوله تعالى:
" وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين "َ [ الشعراء 219 ] أى تقلبك من أصلاب
طاهرة من أب بعد أب إلى أن جعلك نبيا، فكان نور النبوة ظاهرا فى آبائه، ثم لم يشركه
فى ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه، ليكون
مختصا بنسب جعله الله تعالى للنبوة غاية، ولتفرده نهاية، فيزول عنه أن يشارك فيه،
ويماثل فيه، لذلك مات عنه أبواه فى صغره.
قال الإمام الشعرانى: إن عدد المرسلين وهم
ثلاثمائة وعشر خرجت من اسم المصطفى عليه السلام، فالميم الأول إذا نطقت بها كانت
ثلاثة أحرف، والحاء حرفان حاء وألف والهمزة ساقط، والميم المضعف كذلك بستة أحرف،
والدال كذلك دال ألف لام، فإذا عددت حروف اسمه كلها ظاهرها وباطنها حصل لك من
العدد ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدد الرسل المتفرعين منه صلى الله عليه وسلم
الجامعين للنبوة، ويبقى واحد من العدد هو لمقام الولاية المفرق على جميع الأولياء
التابعين للأنبياء عليهم السلام.
أول
المخـلوقات: اللوح المحـفوظ
عن ابن عباس رضى الله عنهما: اللوح المحفوظ هو
جسم عظيم، خلقه الله تعالى من درة بيضاء، ليكتب فيه كل الموجودات. ويرى البعض أنه
عبارة عن علم الله تعالى، فهو الذى تعلق بسائر الموجودات كليها وجزئيها، صغيرها
وكبيرها. والبعض يرى أنه ما يلوح للملائكة ليفهموا منه. ولكن ظاهر الكتاب والسنة
يؤيد القول الأول، فقد خلقه الله تعالى ليرجع إليها الملائكة عند الحاجة.
عن ابن عباس رضى الله عنهما: خلق الله تعالى
اللوح المحفوظ، ليحفظ الله بما كتب فيه، ما كان ويكون، ولا يعلم ما فيه إلا الله
تعالى.
أول ما خـلق الله تعالى: القلم
فى حديث رواه أحمد والترمذى عن عبادة بن الصامت
مرفوعا: " أول ما خلق الله تعالى القلم، ثم قال له: اكتب، فجرى بما هو كائن
إلى يوم القيامة ".
القلم هنا قوة معنوية مجردة عن المادة، خلقه الله
تعالى وأودع فيه سراً، يدرك به كل معانى الموجودات، ثم أمره أن يكتبها فى اللوح على
ما هى عليه. ولعل هذا هو معنى قولهم: أن القلم أمر نورانى، أى منسوب إلى النور
الإلهى، ومغمور به، فلا تكتنفه ظلمات المادة.
وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: أول ما
خلق الله تعالى القلم، قال له: أكتب فقال: يا رب، وما أكتب ؟ قال: أكتب القدر،
فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة. وفى رواية أخرى قال: وما أكتب ؟
قال: علمى فى خلقى إلى يوم القيامة.
عن ابن عباس رضى الله عنهما: إن أول شئ كتبه
القلم على اللوح المحفوظ: بسم الله الرحمن الرحيم، إنى أنا الله لا إله إلا أنا،
محمد عبدى ورسولى، من استسلم لقضائى، وصبر على بلائى، وشكر على نعمائى، ورضى بحكمى،
كتبته صديقا، وبعثته يوم القيامة مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائى، ولم يصبر على
بلائى، ولم يشكر على نعمائى، ولم يرض بحكمى، فليختر إلها سواى.
وقيل أن أول ما كتب على اللوح المحفوظ : أنا
التواب أتوب على من تاب.
عن طاووس قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن
العاص رضى الله تعالى عنهما فسأله: مم خلق الخلق ؟ قال من الماء والنور والظلمة
والريح والتراب. قال الرجل:
فمم خلق هؤلاء ؟ قال: لا أدرى. قال: ثم أتى الرجل عبد
الله بن الزبير رضى الله تعالى عنهما فسأله،
فقال مثل قول عبد الله بن عمرو، قال: فأتى الرجل عبد الله
بن عباس فسأله رضى الله تعالى عنهما، فقال: مم خلق الخلق ؟ قال: من الماء والنور
والظلمة والريح والتراب. قال الرجل: فمم خلق هؤلاء ؟ ابن عباس: " وَسَخَّرَ
لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "
[ الجاثية: 13 ]، فقال الرجل ما كان ليأتى بهذا إلا رجل من أهل بيت النبى.
قال البيهقى: أراد أن مصدر الجميع منه، أى من خلقه وإبداعه واختراعه. خلق الماء
أولا، أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق، ثم جعله أصلا لما خلق
بعد، فهو المبدع وهو البارئ لا إله غيره ولا خالق سواه، سبحانه جل وعز.
أول ما كتب القلم : بسم الله الرحمن الرحيم
قيل: لما خلق الله عز وجل القلم واللوح، أمر أن
يؤتى باللوح، ثم قال: يا قلم. فقال القلم: لبيك يا رب. فقال له: أكتب بسم الله
الرحمن الرحيم.
فلما كتب الباء خرجت منه نور فنور كل شئ فى
الملكوت من العرش إلى الثرى. فقال: يا رب ما هذا الباء ؟ قال تعالى: هذا الباء برى
لأمة محمد.
ثم أمر أن يكتب السين، فلما كتبه خرج من ضرس منه
أنوار: واحد طار إلى العرش، وواحد إلى الكرسى،
وواحد إلى الجنة، فلما رأى القلم هذه الأنوار الثلاثة قال: ما هذه الأنوار
؟ قال تعالى: هذا نور أمة محمد، أما النور الذى طار إلى العرش فهو نور السابقين،
وأما النور الذى طار إلى الكرسي فهو نور المقتصدين، وأما النور الذى طار إلى الجنة
فهو نور العاصين والظالمين منهم.
ثم أمره أن يكتب الميم، فلما كتب خرج منه نور
أضوأ وأنور من نور الباء والسين، فنور كل شئ من العرش إلى الثرى، فبقى القلم فى
التعجب ألف سنة، ثم بعد ذلك قال: يا رب ما هذا النور ؟ فقال الله تعالى: هذا نور
محمد، وهو حبيبى وصفيى ورسولى، هذا سيد الأنبياء المرسلين، وما خلقت كل شئ إلا لأجله.
فلما سمع القلم
تمنى أن يسلم على نور محمد عليه الصلاة والسلام، فاستأذن فى ذلك فقال:
السلام عليك يا رسول الله، يا حبيب الله، يا نور الله. فقال تعالى: يا قلم أنت
سلمت على حبيبى ورسولى وهو فى هذا الساعة غائب ولو كان حاضراً لسلم عليك، أنا أرده
عليك لأجله، فقال تعالى: عليك منى السلام يا قلم. ثم أمر بأن يكتب: الله الرحمن
الرحيم. فقال القلم: يا رب.. ما هذه الأسماء ؟ قال تعالى: أنا الله للسابقين، وأنا
الرحمن للمقتصدين، وأنا الرحيم للعاصين والظالمين.
قيل لله تعالى ثلاثة آلاف اسم، ألف اسم عرفتها
الملائكة، وألف عرفها الأنبياء، وثلاثمائة فى التوراة، وثلاثمائة فى الزبور،
وثلاثمائة فى الإنجيل، وتسعة وتسعون فى القرآن الكريم، وواحد استأثر الله تعالى به.
ومعنى هذه الأسماء الثلاثة آلاف توجد فى الأسماء الثلاثة المذكورة فى البسملة:
" الله الرحمن الرحيم "، فمن علمها وقالها فكأنما ذكر الله تعالى بكل
أسمائه.
قال الإمام عبد الكريم عبد القادر الجيلانى:
الباء حرف ظلمانى، وليس فى البسملة بأسرها من الحروف الظلمانية إلا هى، وهى:
" ب ج د ز ف ش تعالى ث خ ذ ض ظ غ " والأحرف النورانية هى أوائل السور
المقطعة، فجعل الله تعالى الباء فى أول القرآن فى كل سورة، لأن أول حجاب بينك وبين
ذاته سبحانه وتعالى ظلمة وجودك، فإذا أفنى ولم يبق إلا هو كانت أسماؤه وصفاته التى
هى منه حجاب عليه، فتلك جميعها نورانية.
أول حرف كتب فى اللوح المحفوظ : الباء
تقول الدكتورة تحية إسماعيل: حرف الباء هو رمز
البداية من كل شئ، لذلك نجد الأفعال العربية التى تبدأ به تدل على شئ لم يكن من
قبل، ولكن بدء فيه.
فكلمة باب تبدأ بالباء لتدل على فتح الباب، ثم
بمد لتدل على حركة الباب فى الفتح، ثم باء ثانية لتدل على بداية حركة القفل. ويدل
الباب على أنه بداية المنزل، وبداية الدخول، وبداية الخروج. كما أن الباء تنطق
بفتح الشفاه فجأة بعد أن كانت مغلقة.
No comments:
Post a Comment