Tuesday, March 24, 2020

بدأ الخلق 5

بدأ الخلق 5


أول  الخـلق  قبل خلق الأرض :   الليل

قيل أن أول ما خلق الله تعالى الظلمة والنور ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسودا مظلما، وجعل النور نهارا مضيئا مبصراً.
فقد اختلف العلماء فى توضيح أول خلق الله تعالى، فيقول ابن جرير: إن الذى خلق ربنا بعد القلم الكرسى، ثم خلق بعد الكرسى العرش، ثم خلق بعد ذلك الهواء والظلمة، ثم خلق الماء فوضع عرشه على الماء والله أعلم.
ما خلق الله تعالى من الأشياء قبل خلق الأوقات، وأن الأزمنة والأوقات إنَّمَا هي ساعات الليل والنهار، فبأى منهما كان الابتداء ؟ بالليل أم بالنهار؟. اختلف العلماء في ذلك فإن بعضهم يقول: إنّ الليل خُلِقَ قبل النهار؛ ويستدل على ذلك بأن النهار مِنْ نور الشمس فإذا غابت الشمسُ جاء الليل فبان بذلك أن النهار وهو النور وارد على الظلمة التي هي الليل وإذا لم يَرِد نورُ الشمس كان الليلُ ثابتاً فدل ذلك على أن الليل هو الأول.
وقال آخرون: كان النهار قبل الليل واستدلوا بأن الله تعالى كان ولا شيء معه ولا ليل ولا نهار وأن نوره كان يضيءُ به كل شيء خلقه حتى خلق الليل. قال ابن مسعود: "إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نورُ السموات من نورِ وجهه ".
سئل ابن عباس رضى الله عنهما عن الليل كان قبل أم النهار ؟ قال: الليل. ثم قرأ: " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ " [ الأنبياء 30 ]، فهل تعلمون.. ما كان بينهما إلا ظلمة، فهذا يدل على أنه لم يكن قبل خلق الأرض نهار ولا أيام. [ الرتق: الظلمة ]
ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً " [ الإسراء 12 ].
قيل سمى الليل ليلا لأنه يلالى بالأشخاص حين يتشكك الناظر فى الشئ، فيقول هو هو، ثم يقول: لا، لا، فقد لالا بها، أما النهار سمى نهارا لظهور ضوء الفجر يجرى كالنهر من المشرق إلى المغرب معترضا حتى يأتى على الظلام.
وانقسم العلماء حول تفضيل الليل أم النهار إلى قسمين:
القسم الأول:  الليل أفضل
قال النيسابورى فى " كشف الأسرار ": الليل أفضل من النهار لوجوه:
v           أن الليل راحة والراحة من الجنة، والنهار تعب والتعب من النار.
v           الليل الفراش، والنهار حظ اللباس.
v           أن الله تعالى سمى ليلة القدر خير من ألف شهر، وليس فى الأيام مثلها.
وفضل أبو الحسين بن فارس اللغوى الليل على النهار فقال:
v           أن الله تعالى أنزل فيه سورة مسماة سورة " الليل "، ولم ينزل فى النهار سورة تسمى سورة النهار.
v           أن الله تعالى قدم ذكره على النهار فى أكثر الآيات " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " [ الليل 1 ]، " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً " [ الإسراء 12 ]، " هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِ" [ يونس 67 ] " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلا تَسْمَعُونَ. [ القصص 71]
v           أن الله تعالى خلقه قبل النهار.
v           يستدل على بداية الشهر بالهلال، فيكون أوله هو الليل.
v           أن ليالى الشهر سابقة على أيامه.
v           فى كل ليلة ساعة إجابة، وليس فى النهار مثل ذلك إلا فى يوم الجمعة خاصة.
v     أن فى النهار أوقات تكره فيها الصلاة، وليس فى شئ من ساعات الليل وقت كراهة، والصلاة من أشرف العبادات.
v           أن فيه التهجد والاستغفار بالأسحار، وهما أفضل من صلاة النهار واستغفاره.
v       أنه أصح لتلاوة الذكر قال تعالى: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلا [ المزمل 6 ] "، " أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ " [ الزمر 9 ]
v           أن الإسراء يقع بالليل لقوله تعالى: " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ  هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [ الإسراء 1 ] " وقوله تعالى: " فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ ". [ الحجر 65 ]
v         قال أهل العلم فى الليل: تنقطع الأشغال، وتجم الأذهان، ويصح النظر، وتؤلف الحكم، وتدر الخواطر، ويتسع مجال القلب، لأن القلب بالنهر طائر، وبالليل ساكن.
القسم الثانى:  النهار أفضل
أما من فضل النهار عن الليل فيقول:
v        أن الله تعالى قدم ذكره فى قوله: " وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا . [ الشمس 3ـ 4]
v        قيل النهار أفضل لأنه نور، ولأن فى الجنة لا يكون ليل، وأن النهار للمعاد والمعاش.
فرد أصحاب الفريق الأول أن التقديم لا يدل على أفضليته، فقد قدم الله تعالى الموت على الحياة " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ " [ الملك 1 ]، والجن على الأنس " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ  [ الذاريات 56 ]، والأعمى والأصم على البصير والسميع " مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ " [ هود 24 ]، والمتأخر مما ذكر أفضل من المتقدم قطعا.
v           قدم الله تعالى النور قبل الظلمة: " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ". [ النور 33 ]
v     أن الناس والشعراء ما زالوا يذمون الليل ويشكونه، كقول امرئ القيس: وليل كموج البحر
v           استعاذوا بالله تعالى من الأبهمين ويقال الأعميين: السيل والليل
v       بالليل تدب الهوام، وتثور السباع، وينتشر اللصوص، وتشن الغارات، وترتكب المعاصى، ولذلك قيل: الليل أخفى للويل.
v         أن الله تعالى شبه وجوه أعدائه فقال: " كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ". [ يونس 27 ]
v           كان الحسن رضى الله عنه يقول: ما خلق الله خلقا أشد سوادا من الليل.
v           قال تعالى: " وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ " [ الفلق 3 ] قيل هو الليل إذا أظلم.
v           نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن قطع ثمر النخيل بالليل، وأمر بغلق الأبواب وكف الصبيان بالليل.
v           افتخرت العرب بالأيام دون الليالى، فقالوا: يوم ذى قار
v         أن الأسبوع أيامه مسماه دون الليالى، وتذكر الليالى مضافة إلى الأيام، فيقال ليلة الجمعة، وليس المضاف كالمضاف إليه.
v       الأيام الشريفة أكثر من الليالى كيوم الجمعة ويوم عرفة ويوم عاشوراء والأيام المعلومات والمعدودات، وليس فى الليالى إلا ليلة القدر وليلة النصف من شعبان.
v       قال عليه السلام: " اللهم بارك لأمتى فى بكورها " ولم يقل ذلك فى شئ من اللليالى.
سأل ابن الكواء عليا رضى الله عنه عن السواد الذى فى القمر فقال له: أنه أثر مسح جبريل بجناحه له، وذلك أن الله تعالى خلق نور القمر سبعين جزءا وكذلك نور الشمس، ثم آتى جبريل فمسحه بجناحيه فمحا من القمر تسعة وستين جزءا فحولها إلى الشمس فأذهب عنه الضوء وأبقى فيه النور، فذلك قوله تعالى: " فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ". وأنت إذا تأملت السواد الذى فى القمر وجدتها حروفا لكلمة " جميلا "، فسبحان من خلقه جميلا.

No comments:

Post a Comment