بدأ
الخلق 7
أول أجل
ضربه الله تعالى: الأيام الستة
وهى التى
خلق فيها جميع المخلوقات. قال تعالى: " وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ " [ هود 7 ]، " الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ " [ الفرقان 59 ]، " وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ".
[ ق 38 ]
أول خـلق
الله تعـالى من الأزمـنة : الشتاء
قال وهب
بن منبه: إن أول خلق الله تعالى من
الأزمنة الأربعة الشتاء، فجعله بارداً
رطبا، وخلق الربيع يابسا، وخلق الخريف فجعله باردا يابسا.
أول ما ظهر
من الأرض: مكـــة
روى ابن
أسباط عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " دحيت الأرض من مكة "،
لذلك سميت أم القرى يعنى أصلها، وهو قوله تعالى: " وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ
دَحَاهَا " [ النازعات 30 ]، وكانت الأرض عند خلقها طبقاً واحدا، ففتقها
وصيرها سبعا. " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ".[الأنبياء30]
وقال ابن
عباس رضى الله عنهما: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله تعالى السموات بعث
ريحا فصفقت الماء، فأبرزت عن خَسْفة فى موضع البيت كأنها قبة، فدحا الأرض من تحتها،
فمادت فأوتدها بالجبال. فهى سرة الأرض، ووسط الدنيا وأم القرى، أولها الكعبة، وبكة
حول مكة، وحول مكة الحرم، وحول الحرم الدنيا.
قال البعض
فى قوله تعالى: " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ
لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ
" [ فصلت 11 ]، أن المجيب له بذلك من الأرض كان موضع الكعبة، ومن السماء ما
قابله، لذلك صارت مكة حرماً.
وقيل
سميت حرما لتحريم الله تعالى فيه كثيراً مما ليس بمحرم فى غيره، ومسافته ستة عشرة
مثلا فى مثلها.
وقيل أن
آدم خاف على نفسه من الشياطين، فاستعاذ بالله تعالى، فأرسل الله تعالى ملائكة حفوا
بمكة من كل جانب، فكان الحرم من حيث وقفت الملائكة.
أول ما
خـلق الله تعالى على الأرض: الجـبال
قال على
رضى الله عنه: أول ما خلق الله تعالى الأرض عجت، وقالت: يا رب تجعل على بنى آدم
يعملون علىّ الخطايا، ويلقون علىّ الخبائث. فاضطربت، فأرساها الله تعالى بالجبال
فأقرها. وخلق الله تعالى جبلا عظيما من زبرجدة خضراء، خضرة السماء منه، يقال له
جبل قاف، فأحاط بها كلها، وهو الذى أقسم الله تعالى به فقال: " ق
وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ". [ ق 1 ]
وقال أنس
بن مالك رضى الله عنه: لما خلق الله تعالى الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال وألقاها
عليها فاستقامت، فتعجبت الملائكة من شدة الجبال، فقالت: يا رب !! هل من خلقك شئ
أشد من الجبال ؟ قال: الحديد، فقالت: يا رب !! هل من خلقك شئ أشد من الحديد ؟ قال:
نعم النار، فقالت: يا رب !! هل من خلقك شئ أشد من النار ؟ قال: نعم الماء، فقالت:
يا رب !! هل من خلقك شئ أشد من الماء ؟ قال: نعم الريح، فقالت: يا رب !! هل من
خلقك أشد من الريح ؟ قال: نعم الإنسان، يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله.
أول جبل
وضع على الأرض: جبل قبيس
يطلق على
جبل قبيس لقب الجبل الأمين، لأن الملائكة قامت برفع الحجر الأسود من الكعبة التى
بناها آدم خوفا من أن تلحقه نجاسة مياه الطوفان، الذى تلوث برمم الخلق والحيوانات
الميتة، واستودعوه جبل قبيس وديعة حتى
يأتى من يستلمه.
أول من
سكـن الأرض: الجـــــن
قال ابن
عباس رضى الله عنهما: كان إبليس من حى من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من
نار السموم " مِن مَّارِجٍ مِّن
نَّارٍ " [ الرحمن 15 ] وهو لسان النار الذى يكون فى طرفها إذا التهبت، وكان
خازنا من خزان الجنة، وخلقت الملائكة من نور،، وخلق الإنسان من طين، وأول من سكن
فى الأرض الجن.
سئل على
رضي الله عنه: هل كان فى الأرض خلق قبل آدم يعبدون الله تعالى ؟ قال: نعم، خلق
الله تعالى الأرض وخلق فيها الجن يسبحون الله ويقدسونه لا يفترون. وكانوا يطيرون
إلى السماء ويلقون الملائكة ويسلمون عليهم، ويستعلمون منهم خبر من فى السماء. ثم
إن طائفة منهم تمردت وعثت عن أمر ربها وبغت فى الأرض بغير الحق، وعدا بعضهم على
بعض، وجحدوا الربوبية وكفروا بالله تعالى وعبدوا ما سواه، وتغايروا على الملك حتى
سفكوا الدماء، واظهروا فى الأرض الفساد، وكثر تقاتلهم، وعلا بعضهم على بعض.
وأقام
المطيعون لله على دينهم، وكان إبليس من الطائفة المطيعة والمسبحين له، وكان يصعد
إلى السماء فلا يحجب عنه لحسن طاعته. فأهبط الله تعالى إبليس ـ وكان اسمه الحارث
وكنينة أبو مرة ـ ومعه عدد كبير من الملائكة فهزمهم وقتلهم. وصار إبليس ملكا على
وجه الأرض. فلما فعل إبليس ذلك اغتر فى نفسه وقال: قد صنعت شيئاً لم يصنعه أحد،
فاطلع الله تعالى على ذلك من قلبه، ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه. فتكبر
وطغى، وكان من امتناعه عن السجود لآدم ما كان.
وفى
رواية أخرى أن الأرض كانت معمورة بأمم كثيرة منهم الطم والرم والجن والبن والحن،
فلما عاثوا فيها الفساد بعث الله تعالى إبليس قاضيا يقضى بينهم، فلم يزل يقضى
بينهم بالحق ألف سنة حتى سمى حَكَمَا، فعند ذلك دخله الكبر فتعظم وتكبر، وألقى بين
الذين كان الله تعالى بعثه إليهم حكما العداوة والبغضاء، فاقتتلوا فى الأرض، حتى
أن خيولهم كانت تخوض فى الدماء. فذلك قوله تعالى: " أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ
الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ " [ ق 15 ]، وقول
الملائكة: " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء
وَنَحْن نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ " [ البقرة 30 ]، فبعث الله
تعالى عند ذلك نارا فأحرقتهم. فلما رأى إبليس ما نزل بقومه من العذاب عرج إلى
السماء، وأقام عند الملائكة يعبد الله تعالى فى السماء مجتهدا، لم يعبده شئ من
خلقه مثل عبادته، فلم يزل مجتهدا فى العبادة والطاعة رجاء أن يتوب الله تعالى عليه،
فلما لم يُجْدِ ذلك عليه شيئا خامر الملائكة القنوط، فأراد الله أن يبين لهم خبث
طويته وفساد نيته، فخلق آدم، فامتحنه بالسجود له ليظهر للملائكة تكبره وإظهار ما
خفى عنهم من مكتوم أنبائه.
أول من
أعطاه الله تعالى ملكاً وسلبه منه:
إبليس
فإبليس
هو أول من أعطاه الله تعالى ملكا وأنعم عليه، فكفر نعمته وجحد ربوبيته واستكبر، فسلبه
الله تعالى النعمة وأخزاه وأذله.
كان الله
تعالى قد حسن خلقه وشرفه، وملكه على سماء الدنيا والأرض، وجعله مع ذلك خازنا من
خُزان الجنة، فاستكبر على ربه، وادعى الربوبية، ودعا من كان تحت يده إلى عبادته،
فمسخه الله تعالى شيطانا رجيما، وشوه خلقه، وسلبه ما كان خوله، ولعنه وطرده عن
سمواته، ثم جعل مسكنه ومسكن أتباعه فى الآخرة نار جهنم.
قال
قتادة فى قوله تعالى: " وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ
" [ الزمر 29 ]، إنما كانت هذه الآية فى إبليس خاصة، لما قال ما قال، فجعله
الله تعالى شيطانا رجيما " فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي
الظَّالِمِينَ ". [ الزمر 29 ]
أول
شجـرة نبتت فى الأرض: الزيتون
الزيتون
من أعظم الثمار نماء، ومن بركتها أن أغصانها تورق من أسفلها إلى أعلاها، وهى أول
شجرة نبتت فى الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان، كما أنها تنبت فى منازل
الأنبياء والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبياً بالبركة، منهم إبراهيم ومحمد صلى
الله عليهما وسلم حين قال: " اللهم بارك فى الزيت والزيتون ".
وقد
ذكرها الله تعالى فى كتابه الكريم ثلاث مرات فقال تعالى: " وَجَنَّاتٍ مِّنْ
أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ "
[ الأنعام 99 ]، " يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ
وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ " [ النحل 11 ]، " وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ". [
التين 1 ]
قال
الإمام فخر الدين محمد الرازى: شبه الله تعالى الإيمان بشجرة الزيتون، ودلل على
ذلك بقوله:
v
شبه الله
تعالى الإيمان بهذه الشجرة، لآنها فى أكثر الأمور إنما تنبت فى الأماكن الطاهرة
" وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ
لِّلآكِلِينَ " [ المؤمنون 20 ]، وكذلك المعرفة بالله تعالى لا تستقر فى كل
قلب، بل فى القلوب المطهرة.
v
أن شجرة
الزيتون يتولد من ثمرتها ذلك الدهن الذى هو فى غاية الصفاء، فكذلك قلب المؤمن
يتولد منه الإيمان والمعرفة، وهما أصفى الأنوار وأشرفها.
أول من بنى الكعبة قبل خـلق آدم : الملائكة
قيل أن
الله عز وجل غضب على الملائكة حين قال لهم: " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ
فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " [ البقرة 30 ]،
فغضب الله تعالى عليهم وأعرض عنهم، فلاذت الملائكة بالعرش، ورفعوا رؤوسهم يتضرعون
ويبكون إشفاقاً من هذا الغضب، وطافوا بعرش الله سبعا وهم يقولون: لبيك اللهم لبيك،
ربنا معذرة إليك، نستغفرك ونتوب إليك.
فنظر
الله تعالى إليهم ونزلت رحمته عليهم، ووضع سبحانه وتعالى تحت العرش بيتا هو البيت
المعمور، ثم قال للملائكة: طوفوا بهذا
البيت ودعوا العرش، فكان طوافهم بالبيت المعمور أيسر عليهم من طوافهم بالعرش.
ثم أمر
تعالى الملائكة الذين سكنوا الأرض أن يبنوا فى الأرض بيتا على مثال البيت المعمور،
وأمر من فى الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. فبنته
الملائكة قبل خلق آدم بألفى عام، وكانوا يحجون إليه. فلما حج آدم إلى هذا البيت
قالت له الملائكة: بر حجك يا آدم، حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام.
أول من
يتلقى الأمر من الله تعالى: جـبريل
عن
النواس بن سمعان قال صلى الله عليه وسلم: " إذا أراد الله تعالى أن يوحى
بالأمر تكلم بالوحى، أخذت السموات منه رجفة، أو قال رعدة شديدة خوفا من الله عز
وجل، فإذا سمع أهل السموات صعقوا، وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل،
فيكلمه الله تعالى من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء
سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل ؟، فيقول: قال الحق وهو العلى الكبير،
فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهى جبريل بالوحى إلى حيث أمره الله عز وجل
".
أول
الأخلاق خـلقاً: عشرة
قيل لما
خلق الله تعالى الخلق خلق معهم عشرة أخلاق: الإيمان والحياء، والنجدة والفتنة،
والكبر والنفاق، والغنى والذل، والفقر والشقاء.
v
فقال
الإيمان: أنا نازل باليمن، فقال الحياء: وأنا معك.
v
وقالت
النجدة: أنا نازلة بالشام، فقالت الفتنة: وأنا معك.
v
وقال
الكبر: أنا نازل بالعراق، فقال النفاق: وأنا معك.
v
وقال
الغنى: وأنا نازل بمصر، فقال الذل: وأنا معك.
v
وقال
الفقر: أنا نازل بالبادية، فقال الشقاء: وأنا معك.
روى أن
عمر رضى الله عنه سأل كعب الأحبار عن شئ من هذا، فقال: إن الله تعالى لما خلق كل
شئ قال العقل: أنا لاحق بالشام، فقالت الفتنة: وأنا معك. وقال الخصب: أنا لاحق
بمصر، فقال الذل: وأنا معك. وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصحة: وأنا
معك.
No comments:
Post a Comment