Tuesday, March 24, 2020

بدأ الخلق 6

بدأ الخلق 6


أول ما خـلق الله تعالى من الكون :   الأرض

روي عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إنما سميت الأرض أرضاً لأنها تأرض ما في بطنها أي تأكل ما فيها. وقال بعضهم: لأنها تتأرض بالحوافر والأقدام.
سئل الأمام جلال الدين السيوطى عن خلق الأرض هل قبل السموات أم العكس ؟ فقال:
   الأرض قد خلقت قبل السماء كما          قـد نص اللـه فـى حـم فاستــبن
   ولا ينافـيه ما فـى النـازعات أتـى          فدحوها غير ذاك الخلق للفطن
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى فقال: " خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة فى آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ".
وكان كمال خلق الأرض فى ستة أيام أخراهن الجمعة، فاتخذه المسلمون عيدهم فى الأسبوع، وهو اليوم الذى أضل الله تعالى عنه أهل الكتاب قبلنا.
عن محمد بن إسحاق قال: يقول أهل التوارة: ابتدأ الله تعالى الخلق يوم الأحد، ويقول أهل الإنجيل: ابتدأ الله تعالى الخلق يوم الاثنين، ونقول نحن المسلمين فيما انتهى إلينا عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ابتدأ الخلق يوم السبت.
وقال ابن عباس رضى الله عنهما اول ما خلق الله جوهرة، طولها وعرضها مسيرة الف سنة فى مسيرة عشرة آلاف سنة، فنظر اليها بالهيبة فذابت واضطربت، ثم ثار منها دخان فارتفع، واجتمع زبد فقام فوق الماء، فجعل الزبد أرضا والدخان سماء، قالوا فالسماء من دخان خلقت، وبريح ارتفعت، وبإشارة تفرقت، وبلا عماد قامت، وبنفخة تكسرت، { فسواهن } اى أتمهن وقومهن وخلقهن.
قال تعالى: " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ". [ البقرة 29 ]
من هذه الآية يتضح لنا أنه سبحانه وتعالى خلق الأرض قبل السماء، وكذلك ذكره فى سورة السجدة، بينما قال تعالى فى سورة النازعات: " أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا " [ النازعات 27 ] فوصف خلقها، ثم قال: " وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا " [ النازعات 30 ] أى أن السماء على هذا خلقت قبل الأرض.
قال المفسرون: أن الله تعالى نظر إلى الماء فعلا وارتفع منه زَبَد ودخان وبخار، وأرعد من خشية الله تعالى، ومن ذلك اليوم يرعد إلى قيام الساعة، فخلق من الزبد الأرض، ثم خلق من  الدخان السماء لقوله تعالى: " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " [ فصلت 11 ]، ثم دحا الأرض بعد ذلك وكانت إذ خلقها غير مدحوة.
روى أن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئاً قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماء، ثم أيبس الأرض فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين فى يومين فى الأحد والاثنين، فتزلزلت الأرض فأرسل عليها الجبال فقرت، قال تعالى: " وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ " [ النحل 15 ]، وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها، وما ينبغى لها فى يومين فى الثلاثاء والأربعاء، قال تعالى: " قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ". [ فصلت 9ـ 10 ] 
وقال تعالى: " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ " [ فصلت 11 ]، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات فى يومين فى الخميس والجمعة " فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ". وإنما سمى يوم الجمعة لأنه جُمع فيه خلق السموات والأرض. " وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا " [ فصلت 12 ]، أى خلق فى كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها، من البحار وجبال البَرَد وما لا نعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينةً وحِفظًا، تُحفظُ من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحبّ استوى على العرش.
من هنا فإن الأرض خلقت أولاً، ثم خلقت السماء، ثم دُحيت الأرض، فالمتأخر عن خلق السماء هو دحْو الأرض، على ما ذهب إليه علماء طبقات الأرض، من أن الأرض كانت في غاية الحرارة، ثم أخذت تبرد حتى جمدت وتكونت منها قشرة جامدة، ثم تشققت وتفجرت، وهبطت منها أقسام وعلت أقسام بالضغط، إلا أن علماء طبقات الأرض يقدرون لحصول ذلك أزمنة متناهية الطول، وقدرة الله تعالى صالحة لإحداث ما يحصل به ذلك التقلب في أمد قليل، بمقارنة حوادث تعجل انقلاب المخلوقات عما هي عليه.
سئل ابن عمر رضى الله عنهما عن قوله تعالى: " كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا " [ الأنبياء 30 ]، فقال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، فذهب إلى ابن عباس رضى الله عنهما فسأله فقال: كانت السماء رتقا لا تمطر، والأرض رتقاء لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبت. فرجع الرجل فأخبر ابن عمر فقال: لقد أوتى ابن عباس علما صدقا.
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل تدرون ما فوقكم ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإنها الرقيع، سقف محفوظ، وموج مكفوف"، ثم قال: " هل تدرون كم بينكم وبينها ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام ". ثم قال: " هل تدرون ما فوق ذلك ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإن فوق ذلك سماءين، بُعْدُ ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة "، ثم قال كذلك حتى عد سبع سموات، ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض، ثم قال: " هل تدرون ما فوق ذلك ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بُعْدُ ما بين السماءين " ثم قال: " هل تدرون ما الذى تحتكم ؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإنها الأرض "، ثم قال: " هل تدرون ما تحت ذلك ؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإن تحتها الأرض الأخرى، بينها مسيرة خمسمائة سنة ". حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة.
لقد خلق الله تعالى الأرض وما فيها فى أربعة أيام، والسموات وما فيها فى يومين، رغم أن السموات وما فيها أعظم من الأرض، وما فيها أضعاف مضاعفة، قيل لأن السموات فيها عالم الغيب وعالم الملكوت وعالم الأمر، أما عالم الأرض ففيها عالم الشهادة والملك، وخلق الأول أسرع من الثانى.
أو أنه تعالى فعل ذلك ليعلم أن الخلق على سبيل التدريج والتمهيل فى الأرض وما فيها، لم يكن للعجز عن خلقها دفعة واحدة، بل كان لمصالح لا تحصل إلا بذلك، ولهذه الحكمة خلق العالم الأكبر فى ستة أيام، والعالم الأصغر وهو الإنسان فى ستة أشهر.
فخلق الله تعالى الأرض ليعيش عليها الخلق دنياهم، ليعملون لآخرتهم، فأصبحت الأرض هى مهبط الأنبياء، وعيش للأولياء، ومقر للناس ليعيشوا حياتهم الدنيوية، فهى أرض بلاء لا استقرار.
قال: الألوسى: قدم الله سبحانه حال الأرض لما أن احتياجهم إليها وانتفاعهم بها أكثر وأظهر، أو لأنه تعالى لما ذكر خلقهم ناسب أن يعقبه بذكر أول ما يحتاجونه بعده وهو المستقر، أو ليحصل العروج من الأدنى إلى الأعلى، أو لأن خلق الأرض متقدم على خلق السماء، كما يدل عليه ظواهر كثيرة من الآيات، أو لأن الأرض لكونها مسكن النبيين ومنها خلقوا أفضل من السماء.
قيل: لما مثل الله تعالى الدنيا بالماء ؟. فقال تعالى: " إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء ". [ يونس 24 ] ، " وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء ِ ". [ الكهف 18 ]
لقد خلق الله تعالى الأرض من الماء، لذلك شبهها بأصل الخلق كله وهو الماء. فنجد:
v     أن الماء ليس له قرار، وكذلك الدنيا.
v     أن الماء إن أمسكته تغير ونتن، وكذلك الدنيا لمن أمسكها بلية.
v     أن الماء يأتى قطرة قطرة، ويذهب دفعة واحدة، وكذلك الدنيا.
v     أن الماء طبعه النقصان، وكذلك الدنيا.
v     أن الماء يكون فى موضع كثير وفى موضع قليل، كذلك الدنيا.
v     لا يقدر أحد أن يرد المطر، كذلك لا يقدر أحد أن يرد الرزق.
v     أن الماء قليله رى للعطشان، وكثيره داء، كذلك الدنيا.
v     قيل الزرع يفسد بالماء الكثير، كذلك القلب يفسد بالمال الكثير.
v     الماء كله لا يكون صافياً، كذلك الدنيا فيها الحلال والحرام والشبهة.
v     الماء يطهر النجاسات، كذلك المال يطهر دنس الآثام، " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا  ". [ التوبة 103 ]
v     الماء يصلح لزاد البادية، كذلك مال الدنيا يصلح لزاد القيامة.
سئل أحد العارفين بالله تعالى: إن ابن آدم يعرف أن الدنيا ليست بدار قرار، فَلِمَ يطمئن إليها ؟ قال: لأنه منها خُلق فهى أمه، وفيها ولد فهى مهده، وفيها نشأ فهى عُشه، وفيها رزق فهى عَيْشُه، وإليها يعود فهى كِفَاتُه [ تضمه ]، وهى ممر الصالحين إلى الجنة.
وسميت الأرض فى القرآن الكريم بسبعة أسماء:
v    سماها الله تعالى فراشا " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً " [ البقرة 22 ]
v    وسماها قرارا: " أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا " [ النمل 61 ]
v    وسماها رتقا: " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا " [ الأنبياء 30 ]
v    وسماها بساطا: " وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا " [ نوح 19 ]
v    وسماها مهادا: " أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا " [ النبأ 6 ]
v    وسماها ذات الصدع: " وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ " [ الطارق 12 ]
v    وسماها كفاتا: " أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا ". [ المرسلات 25 ]
وذكرت كلمة الأرض فى القرآن الكريم بمعنى المفرد والجمع، حيث لم تجمع، قال تعالى: " بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " [ البقرة 116 ]، وعندما أراد الله تعالى أن يجمعها قال: " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ " [ الطلاق 12 ]. والحكمة فى ذلك:
v    الأرض بمنزلة السفل والتحت، ولا معنى لجمعها، كما لا يجمع العلو والسفل، والفوق والتحت. وإذا قصد المخبر إلى جزء من هذه الأرض الموطوءة، وعين قطعة محددة منها، خرجت عن معنى السفل مقابل العلو، فجاز أن تثنى وتجمع. أما جمع السموات فمقصود بها ذاتها دون معنى الوصف، ولما أريد بالأرض بها الذات والعدد أتى الله تعالى بلفظ يدل على التعدد. " وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ". [ الطلاق 12 ]
v    الأرض لا نسبة إليها إلى السموات وسعتها، فهى بالنسبة إليها كحصاة فى صحراء، فهى إن تعددت كالواحد القليل
v    الأرض هى دار الدنيا بالنسبة للآخرة، مثلما يدخل الإنسان إصبعه فى اليم، فما يعلق بها هو مثال للدنيا، والله تعالى لم يذكر الدنيا إلا مقللا لها.
v    بعد أن خلق الله تعالى السماء والأرض أمرهما أن يأتيا إليه طوعا أو كرهاً، فأتيتا طائعين. قال تعالى: " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " [ فصلت 11 ]
ويروى أن الملائكة قالت: يا رب لو أن السماء والأرض حين أمرتهما عصيناك، ما كنت صانعا بهما ؟ قال: كنت آمر دابة من دوابى فتبتلعهما، قالت: يا رب فأين تلك الدابة ؟، قال: فى مرج من مروجى، قالت: يا رب فأين ذلك المرج ؟، قال: فى علم من علومى، قالت الملائكة: سبحان ذى البسط القوى.
ولقد خلق الله تعالى السموات والأرض فى ستة أيام. ولذلك كان رقم الستة هو أول عدد كامل أو تام فى الأرقام، فالأعداد تنقسم إلى ثلاثة أنواع هى:
v     أعداد زائدة: حيث يكون العدد أكبر من مجموع مكوناته، فالعدد (14) نجد أن مجموع مكوناته     = 1 + 2 + 7 = 10 أى أن العدد (14) عدداً زائد.
v     أعداد ناقصة: حيث يكون العدد أصغر من مجموع مكوناته، فالعدد (12) نجد أن مجموع مكوناته = 1 + 2 + 3 + 4 + 6 = 16، أى أن العدد (12) عددا ناقصا.
v     أعداد تامة أو كاملة: ويكون العدد مساويا لمجموع مكوناته، فالعدد (6) نجد أن مجموع مكوناته     = 1 + 2 + 3 = 6.
v    والأعداد التامة لندرتها يوجد منها عدد واحد فى الآحاد هو ( 6 )، وعدد واحد فى العشرات هو ( 28 )، وعدد واحد فى المئات هو ( 496 )، وعدد واحد فى العشرة آلاف هو ( 8128 ). فنبه الله تعالى أنه لما خلقهما فى ستة أيام راعى أكمل الوجود وأتمه، بحيث أنه تعالى اختار من أنواع الوجود ما هو أكمل، والإشارة لذلك بلفظ ستة والتى هى عدد كامل يشير إلى الكمال المطلق فى الوجود. فإذا اختار سبحانه وتعالى فى التعبير أكمل الأعداد وأولها فى الكمال، فلابد أن يكون قد اختار فى خلقه أكمل الأوضاع وأولها وأحسنها فى الكمال، " الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ". [ السجدة 7 ]
قال ابن عجيبة: قول الحقّ جلّ جلاله: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ } لأجلكم { ما } استقر { فِي الأرْضِ جَمِيعاً } تنتفعون به في الظاهر قوتاً لأشباحكم، ودواء لأبدانكم، ومتعة لنفوسكم، وتنتفعون به في الباطن بالتفكر والاعتبار، وزيادة في إيمانكم، وقوة لإيقانكم، ثم قصد { إلَى السَّمَاءِ } قصد إرادة، فخلقهن { سَبْعَ سَمَوَاتِ } مستوية تامة، ليس فيها تفاوت ولا خلل، تظلكم بِجِرْمِها، وتضئ عليكم بشمسها وقمرها وكواكبها، وقد أحاط علمه بالأشياء كلها، فلذلك خلقها على هذا النمط الغريب والإتقان العجيب.
الإشارة: يا عبادي خلقتُ الأشياء كُلَّها من أجلكم، الأرض تُقلكم، والسماء تُظلكم، والجهات تَكْتَنِفُكُمْ والحيوانات تخدُمكم، والنباتات تنفعكم، وخلقتكم من أجلي، فكيف تميلون إلى غيري، وتنسَوْن إحساني وبرِّي؟!!! الأشياء كلها عبيدكم وأنتم عبيد الحضرة، « أنت مع الأكوان ما لم تشهد المُكَوِّنَ، فإذا شهدتَ المكوِّنَ كانت الأكوانُ معك ».
وفي بعض الكتب المنزلة يقول الله تعالى:
v    « يا عبدي؛ إنما منحتك صفاتي لتعرفني بها، فإن ادعيتها لنفسك سلبتُك الولاية، ولم أسلبك صفاتي.
v    يا عبدي؛ أنت صفتي وأنا صفتك، فارجع إليَّ أرجع إليك.
v    يا عبدي؛ فيك للعلوم باب مفاتحه أنا، وفيك للجهل باب مفاتحه أنت، فاقصد أيّ البابين شئت.
v    يا عبدي؛ قربي منك بقدر بعدك عن نفسك؛ وبعدي عنك بقدر قربك من نفسك، فقد عرفتك الطريق، فاترك نفسك تصل إليَّ في خطرة واحدة.
v    يا عبدي؛ كل ما جمعك علي فهو مني، وكل ما فرقك عني فهو منك، فجاهد نفسك تصل إليّ، وإني لغني عن العالمين
v    يا عبدي؛ إن منحتني نفسك رددتها إليك راضية مرضية، وإن تركتها عندك فهي أعظم بلية، فهي أعدى الأعادي إليك فجاهدها تَعُدْ بالفوائد إليك ».
وفي بعض الآثار المروية عن الله تعالى: « يا عبدي: أنا بُدُّك اللازم فالزم بُدَّك ».
ويمكن أن يشار بالأرض إلى أرض العبودية، وبالسماء إلى سماء الحقيقة، وبالسبع سماوات إلى سبع مقامات؛ وهي الصبر والشكر والتوكل والرضى والتسليم والمحبة والمعرفة. والله تعالى أعلم.
يقول الحقّ جلّ جلاله: يا عبادي اعبدوني بقلوبكم بالتوحيد والإيمان، وبجوارحكم بالطاعة والإذعان، وبأرواحكم بالشهود والعيان، فأنا الذي أظهرتكم من العدم - أنتم ومَن كان قبلكم - وأسبلت عليهم سوابغ النعم، الأرض تقلكم والسماء تظلكم، والجهات تكتنفكم، وأنزلت من السماء ماء فأخرجت به أصنافاً { من الثمرات رزقاً لكم }، فأنتم جوهرة الصدق، تنطوي عليكم أصداف مكنوناتي، وأنتم الذين أطلعتكم على أسرار مكنوناتي، فكيف يمكنكم أن تتوجهوا إلى غيري؟ وقد أغنيتكم بلطائف إحساني وبري، أنعمت عليكم أولاً بالإيجاد، وثانياً بتوالي الإمداد، خصصتكم بنور العقل والفهم، وأشرقت عليكم نبذة من أنوار القِدم، فبي عرفتموني، وبقدرتي عبدتموني، فلا شريك معي ولا ظهير، ولا احتياج إلى معين ولا وزير.
فعبادة العارفين: بالله ومن الله وإلى الله، وعبادة الجاهلين: بأنفسهم ومن أنفسهم ولأنفسهم، عبادة العارفين حمد وشكر، وعبادة الغافلين اقتضاء حظ وأجر، عبادة العارفين قلبية باطنية، وعبادة الغافلين حسية ظاهرية.
يا أيها الناس المخصوصون بالأنس والقرب دوموا على عبادة القريب، ومشاهدة الحبيب، فقد رَفَعْتُ بيني وبينكم الحجب والأستار، وأشهدتكم عجائب الألطاف والأسرار، أبرزتكم إلى الوجود، وأدخلتكم من باب الكرم والجود، ومنحتكم بفضلي غاية الشهود، لعلكم تتقون الإنكار والجحود، وتعرفونني في كل شاهد ومشهود.
فقد جعلت أرض نفوسكم مهاداً لعلوم الشرعية، وسماء قلوبكم سقفاً لأسرار الحقيقة، وأنزلت من سماء الملكوت ماء غيبياً تحيا به أرض النفوس، وتهتز بواردات حضرة القدوس، فتخرج من ثمرات العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، والأحوال المرضية، ما تتقوت به عائلة المستمعين، وتنتعش به أسرار السائرين، فلا تشهدوا معي غيري، ولا تميلوا لغير إحساني وبري، فقد علمتم أني منفرد بالوجود، ومختص بالكرم والجود، فكيف يرجى غيري وأنا ما قطعت الإحسان؟! وكيف يلتفت إلى ما سواي وأنا بذلت عادة الامتنان؟! مني كان الإيجاد، وعليَّ دوام الإمداد، فثقوا بي كفيلاً، واتخذوني وكيلاً، أعطكم عطاء جزيلاً، وأمنحكم فخراً جليلاً.


No comments:

Post a Comment