بدأ
الخلق 2
أول ما خـلق الله تعالى: الماء والعرش
قال تعالى: " وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء ". [ هود 7
]
عن أبى رزين لقيط بن عامر العقيلى أنه قال: يا
رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض ؟ قال: " كان فى عماء ما
فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء ". والعماء: هو الغيم الكثيف
أى السحاب، ولا ندرى كيف كان ذلك. وقال البعض: العماء أى ليس معه شئ .
روى البخارى عن عمران بن حصين قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: " كان الله ولم يكن شئ غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب فى
الذكر كل شئ، وخلق السموات والأرض ". وسئل ابن عباس رضى الله عنهما عن قوله
تعالى: " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء " على أى شئ كان الماء ؟ قال:
على متن الريح.
وحيث أن العالم المادى ينقسم إلى قسمين: علوى
وسفلى، كان أول المخلوقات العلوية هو العرش وأول المخلوقات السفلية هو الماء، أى
أن أول المخلوقات عرش على ماء، ليس ملاصقا له، وإنما العرش فى جهة العلو، والماء
تحته.
لكن هل الماء مخلوق قبل العرش ؟ أو العرش مخلوق
قبله ؟.
لا نجد نص صريح على أيهما خلق قبل الآخر، فقد
يفهم من نص الحديث: " وكان عرشه على الماء " أن الماء خُلق أولاً، كما
أن هناك حديث مرفوع رواه أحمد والترمذى: " أن الماء خلق قبل العرش "
وأكد ذلك العديد من الأحاديث ذات أسانيد مختلفة.
ولكن يمكننا القول بأن أول المخلوقات المادية على
الإطلاق الماء، وأول المخلوقات العلوية العرش، أى أن الماء والعرش هما مبدأ هذا
العالم، لكونهما خُلقا قبل خلق السموات والأرض، ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا
الماء.
المـــاء:
قال تعالى: " وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء
كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ " [ الأنبياء 30 ] أى أن كل مخلوقات الله تعالى الحية
خلقت من الماء، لذلك يرى البعض أنه رغم أن الملائكة والجن أحياء، إلا أنهم ليسوا
مخلوقين من الماء بل من النور والنار لقوله تعالى: " وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن
مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ " [ الرحمن 15 ] وأن آدم مخلوق من تراب، وأن ناقة صالح
مخلوقة من الحجر.
فقيل أن الكل مخلوق من الماء ولكن البعض بواسطة،
والبعض بغير واسطة، ولهذا قيل أن الله تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء،
وخلق الجان من نار خلقها من الماء، وخلق آدم من تراب خلقه من الماء. وقال تعالى:
" وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء ". [ النور 45 ]
لقد خلق الله تعالى الخلق من أربعة أشياء: خلق
الملائكة من نور، والجان من نار، والبهائم
من ماء، وآدم من طين، فجعل الله تعالى الطاعة فى الملائكة والبهائم لأنهما خلقا من
النور والماء، وجعل المعصية فى الجن والإنس لأنهما خلقا من النار والطين.
قال الإمام فخر الدين محمد الرازى: شبه الله
تعالى الإيمان والقرآن الكريم بالماء، ودليله على ذلك:
v أن الماء
يزيل النجاسة عن الثوب " وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا " [
الفرقان 48 ]، " وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ " [ المدثر 4 ]، وكذلك الإيمان
يزيل نجاسة الكفر والمعصية عن القلب، قال عليه الصلاة والسلام:: " الإسلام
يجب ما قبله ".
v أن الله
تعالى سمى الماء المنزل من السماء رحمة فقال: " وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ
بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " [ الأعراف 57 ]، وسمى القرآن رحمة فقال:
" وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ " [ يونس 57 ]، وجعل الإيمان
رحمة وسببا للرحمة فقال: " كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
". [ الأنعام 54 ]
v أن الله
تعالى سمى القرآن مباركا فقال: " وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ
" [ الأنبياء 50 ]، وقال فى الماء: " وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء
مُّبَارَكًا ". [ ق 9 ]
v أن الماء
شفاء للنفوس، والقرآن شفاء للقلوب " وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ
شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ " [ الإسراء 82 ]، فهو شفاء لقلوبهم،
ورحمة لذنوبهم.
v أن الله
تعالى إذا أنزل المطر من السماء لا يقدر أحد على دفعه، كذلك لما أنزل القرآن من
السماء لم يقدر أحد على دفعه، وإدخال الباطل عليه " وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ
عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ".
[ فصلت 41 ـ 42 ]
v أن المطر
لا يقدر مخلوق أن يحصى عدد قطراته، كذلك القرآن لا يحيط أحد بكمال أسراره، ولطائف
حقائقه.
v أن المطر
ينزل من السماء قطرة قطرة، ثم يسيل فى الأرض نهرا نهرا، وبحرا بحرا، فكذلك القرآن،
ينزل من السماء آية آية، ونجما نجما، ثم صار المجموع أنهارا وبحارا. وفى الخبر:
القرآن بحر عميق لا يدرك قعره.
v أن المطر
لو نزل من السماء دفعة واحدة لاقتلع الأشجار وخرب الديار، وكان الفساد فيه أكبر من
الصلاح، كذلك القرآن لو نزل جملة واحدة، لضلت فيه الأفهام، وتاهت فيه الأوهام
" لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا
مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ". [ الحشر 21 ]
v أن الله
تعالى يحيى الأرض بعد موتها بالمطر، وكذلك أحيا القلوب الميتة بالقرآن. قال تعالى:
" أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ " [ الأنعام 122 ]
v أن المطر
الواحد يقع على الأرض فيخرج منه الورد والريحان، وعلى أرض أخرى فيخرج منه الشوك
والسم، كذلك القرآن، يقع على قلب المؤمن المطيع فيخرج منه ورد العبودية، وريحان
الطاعة، ويقع على قلب الكافر، فيخرج منه سم الكفر، وشوك المعصية. قال تعالى:
" يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ". [ البقرة 26 ]
v أن الماء
الكثير إذا انغمس فيه من لا يحسن السباحة هلك، كذلك القرآن، إذا تكلم فيه أحد بغير
علم هلك. عن ابن عمر رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من
فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ".
v أن الماء
تطفئ النار، وكذلك القرآن والإيمان يطفئان عن المؤمن الذى هو حامل القرآن والإيمان
نار جهنم.
العرش:
قال لعدة وجوه:
v جعله موضع خدمة ملائكته. " وَتَرَى
الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ
بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ". [
الزمر 75 ]
v أراد إظهار قدرته وعظمته.
v خلقه إرشادا لعباده فى طريق دعوته من الفوق.
" يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ".
[ النحل 50 ]
v خلقه لإظهار شرف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
" عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا " [ الإسراء 79 ]،
وهو مقام تحت العرش.
v معدن كتاب الأبرار. " إِنَّ كِتَابَ
الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ". [ المطففين 18 ]
v مرآة الملائكة، يرون الآدميين وأحوالهم، ليشهدوا
لهم أو عليهم يوم القيامة.
v العرش أعلى العالم، وليس هناك شئ أعلى منه،
ولذلك خص الاستواء عليه، وهو استواء استيلاء، فمن استولى على أعظم المخلوقات
استولى على ما دونه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا سألتم الجنة
فسلوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقه عرش الرحمن ".
ويقال أن حملة العرش أربعة: اثنان يقولان: سبحانك
اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، واثنان يقولان: سبحانك اللهم وبحمدك،
لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.
وذكر الله تعالى العرش فى كتابه الكريم فى مواضع
إظهار عظمته، ووصفه بأوصاف جليلة فسماه عظيما: " وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
الْعَظِيمِ " [ التوبة 129 ]، وسماه كريما: " هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
الْكَرِيمِ "[ المؤمنون 116 ]، وسماه مجيدا: " ذُو
الْعَرْشِ الْمَجِيدُ " [ البروج 15 ]، ثم قال تعالى: " ثُمَّ اسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ " [ الأعراف 54 ]، فأضافه سبحانه وتعالى إلى نفسه، وجعله محل
استوائه، مع تنزهه عن الاستقرار والمماسة.
سأل رجل الإمام مالكا عن قوله تعالى: " الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " [ طه 5 ] فأطرق رأسه مليا ثم قال: الاستواء معلوم،
والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالا، فأمر به
فخرج.
وسأل الزمخشرى الإمام الغزالى عن نفس الآية فقال
له: إذا استحال أن تعرف نفسك بكيفية أو أينية، فكيف يليق بعبوديتك أن تصفه تعالى
بأين ؟ أو كيف ؟ وهو مقدس عن ذلك.
ويروى أن لله تعالى ملكا يسمى حزقيائيل، له
ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح مسيرة خمسمائة عام، فخطر له خاطر:
هل يقدر أن ينظر إلى العرش ؟ فزاده الله تعالى فى الأجنحة مثلها فكان له ستة
وثلاثون ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح مسيرة خمسمائة عام، ثم أوحى إليه:
أيها الملك طر، فطار مقدار عشرين ألف سنة، فلم يبلغ قائمة من قوائم العرش.
ثم ضاعف الله تعالى له فى الأجنحة والقوة، وأمره
أن يطير، فطار مقدار ثلاثين ألف سنة، فلم يبلغ رأس قائمة من قوائم العرش، فأوحى
الله تعالى إليه: أيها الملك لو طرت إلى أن ينفخ فى الصور مع أجنحتك وقوتك، ما
تبلغ ساق عرشى. فقال الملك: سبحان ربى الأعلى، فأنزل الله سبحانه وتعالى: "
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى " [ الأعلى 1 ]، فقال النبى صلى الله عليه
وسلم: " اجعلوها فى سجودكم ".
ويتميز العرش بعدة ميزات هى:
v أن العرش مخلوق قبل السموات والأرض بمدة لا
يعلمها إلا الله تعالى، وهو مذ خلق تشرف بشرف الاستواء عليه.
v ضخامة حجمه، قال عليه السلام: "ما السموات
السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن
فى الكرسى إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسى بما فيه بالنسبة للعرش كتلك
الحلقة فى تلك الفلاة ". وقيل: إن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء ما بين قطريه
مسيرة خمسين ألف سنة. وقيل: أنه سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على
العالم، وهو سقف المخلوقات . ومن ضخامة حجمه سوف يحمله يوم القيامة ثمانية من
الملائكة، قال تعالى: " وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ
ثَمَانِيَةٌ ". [ الحاقة 17 ]
v أن العرش لم يصعد إليه مخلوق قط، وهو من محض
النور، ومن محض الرحمة الإلهية باق لا يفنى.
v أن الأنبياء والشهداء والصالحين يكونون يوم
القيامة فى ظل العرش، كما تأوى أرواح الشهداء إلى قناديل معلقة تحته.
v أن موسى عليه السلام عند البعث يأخذ بقائمة من
قوائم العرش، وان النبى صلى الله عليه وسلم يكون تحت العرش ساجدا مرة، وقائما مرة أخرى،
وأن خُلعته التى يُكساها قبل الأنبياء تُرمى على ساق العرش.
v قال الإمام النووى: العرش أفضل من السموات، وأن
البيت المعمور الذى فى السماء أفضل من الكعبة التى على الأرض، أى أن العرش أفضل من
السماوات ومن البيت المعمور ومن الكعبة بمراتب.
v من فضل
العرش أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يدعو به فى دعائه: " يا ذا العرش
المجيد، يا فعالا لما يريد، أسألك بنور وجهك الذى ملأ أركان عرشك ".
No comments:
Post a Comment