Thursday, March 19, 2020

بدأ الخلق 4


بدأ الخلق 4

أول الحروف الأبجـدية:    الألـــف

قال أبو بكر النقاش في تفسيره عن آدم بن أبي إياس قال: رأيت في يد بكر بن خنيس كتاباً فزدت فيه حرفاً أو نقصت منه حرفاً، فقال لي بكر بن خنيس: يا آدم من أمرك أن تفعل هذا ؟ أما علمت أن الله تعالى لما خلق الألف انتصبت قائمة، فلما خلق الباء اضجعت، وقيل للألف لم انتصبت قائمة ؟ قالت: انتظر ما أومر. وقيل للباء لم اضجعت ؟ قالت: سجدتي لربي. فقال بكر فأيهما أجل ؟ الذي فعل ما لم يؤمر به يعني الباء سجدت ولم تؤمر بالسجود، أو الذي انتظر ما يؤمر يعني الألف. قال آدم بن أبي إياس فكأنه فضل الألف على الباء ودلالة هذا على وجهين:
أحدهما: أنه صرح في هذا بخلق الألف والباء.
والثاني: أنه فضل الألف على الباء، والقديم لا يجوز أن يفضل بعضه على بعض، ولا يوصف بالأبعاض وإنما الذي يبعض ويحدد تلاوة القديم لا نفس الكلام القديم.
وروى عن عبد الله بن سعيد أنه قال: عرضت حروف المعجم على الرحمن تعالى وهي تسعة وعشرون حرفاً فتواضع الألف من بينهما فشكر الله تعالى له فجعله قائماً، وجعله أمام اسمه الأعظم يعني الله، فإنه لم يسم به غيره.
ولأن الحروف تحتاج إلى مخارج، فحرف الشفة غير حرف اللسان، وحرف الحلق غيرهما، فلو كان الله تعالى يحتاج في كلامه إلى الحروف لاحتاج إلى المخارج، وهو منزه عن جميع ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون.
وأيضاً فإن الحروف متناهية معدودة، وكلام الله تعالى قديم لا مفتتح لوجوده ولا نهاية لدوامه كعلمه، وقدرته، ونحو ذلك من صفات ذاته. وقد أكد تعالى بأن كلامه لا يدخله العد والحصر والحد، بقوله تعالى: " قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً " وقال: " ولو أن ما في الأرض من شجرةٍ أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات اللّه " فأخبر تعالى في هاتين الآيتين أنه لا نهاية لكلامه. إذ كل ما له نهاية له بداية، وإنما تتصور النهاية في حق من يتصور في حقه البداية.
وسميت بالألف لأنها تألف جميع الحروف.
قال الإمام على بن موسى الرضا بن جعفر الصادق رضى الله عنهم: أول ما خلق الله عز وجل ليعرف به خلقه الكتابة حروف المعجم، فعن أمير المؤمنين على رضى الله عنه فى ( أ، ب، ت، ث ) فقال: الألف: ألاء الله، والباء: بهجة الله، والتاء: تمام الأمر بقائم آل محمد، والثاء: ثواب المؤمنين على أعمالهم الصالحة. أما الـ ( ج، ح، خ ) فالجيم: جمال الله وجلال الله، والحاء: حلم الله على المؤمنين، والخاء: خمول ذكر أهل المعاصى عند الله عز وجل.
ويقول ابن عربى: إن السر فى وضع حروف التهجى هو أن لا حرف إلا وفيه ألف، حيث يجعل الألف ـ أى الله تعالى ـ فى كل حرف، أى يدخل الحق فى الخلق، ويخرج الخلق من الحق. فعلى العبد أن ينتبه إلى احتياج الخلق بجملتهم إليه تعالى، واستغنائه تعالى عن الجميع.
قيل لما خلق الله تعالى القلم أمره بالسجود، فسجد على اللوح، فظهرت من سجدته نقطة، فصارت النقطة همزة، فنظرت إلى نفسها فتصاغرت وتحاقرت، فلما رأى الله تعالى تواضعها، مدها وطولها وصيرها مستويا مقدما على الحروف، وجعلها مفتتح اسمه الله، وبها انتظمت جميع اللغات، ثم جعل القلم يجرى بحرف حرف، إلى تمام تسعة وعشرون، فتألفت منها الكلمات إلى يوم القيامة.
وجمع صفى الدين الحلى الحروف الأبجدية فى بيت من الشعر:
           قَدْ غَضَّ لَحْظٌ كَثِفٌ شَخْصُهُ        مُذْ عَجَزَتْ سِرًّا بَنُو طَيِّ
فالألف هو أول الحروف الهجائية. ويطلق الألف على الواحد من كل شئ، والرجل الذى لا زوجة له، وعلى الفعل الماضى.
قال الشاعر:
لا تركـنن إلى الدنيا إلى ألف    فمن يصاحب حقيرا هان فى الزمن
وحرف الألف يظهر من الجوف، وهو يكون متحركا ويكون ساكنا، فالمتحرك يسمى همزة، والساكن يسمى ألفا. وحرف الألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها، بأنها لا تتصل بحرف فى الخط، بينما سائر الحروف يتصل بها، إلا حروف يسيرة.
ويقال: يتذكر العبد المخلص من حالة الألف تقدس الحق سبحانه وتعالى عن التخصص بالمكان، فإن سائر الحروف لها محل من الحلق أو الشفة أو اللسان إلى غيره من المدارج غير الألف، فإنها لا تضاف إلى محل.
ويقال الإشارة منها: إلى انفراد العبد لله سبحانه وتعالى، فيكون كالألف لا يتصل بحرف، ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه.
قال الإمام عبد الكريم عبد القادر الجيلانى: تعلقت الأحرف بالألف، ولا تعلق للألف بشئ من الحروف، كذلك افتقر كل مخلوق إلى الله سبحانه وتعالى، وهو غنى عن العالمين.
ويقال انفردت الألف باستواء القامة، والتميز عن الاتصال بشىء من أضرابها من الحروف، فجعل لها صدر الكتاب، إشارة إلى من تجرد عن الاتصال بالأمثال والأشغال، حظى بالرتبة العليا، وفاز بالدرجة القصوى، وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة، التى هى غير مركبة.

أول كلمة تركبت:   كـن
قال الإمام محيى الدين بن عربى: نظرت إلى شجرة الكون وتكوينه، وإلى المكنون وتدوينه، فرأيت الكون كله شجرة، وأصل نورها من حبة " كن " قد لقحت كاف ( الكونية ) بلقاح حبة  ( نحن ) خلقناكم، فانعقد من ذلك البذر ثمرة " إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ".[ القمر 49 ]
وظهر عن جوهر الكاف معنيان مختلفان:
v          كاف الكمالية " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ". [ المائدة 3 ]
v          كاف الكفرية " فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَر َ". [ البقرة 253 ]
وظهر جوهر النون: نون النكرة، ونون المعرفة، فلما أبرزهم من العدم، على حكم مراد القدم، رش عليهم من نوره، فأما من أصابه ذلك النور فحدق إلى تمثال شجرة الكون المستخرجة من حبة كن، فلاح له فى سر كافها تمثال " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ".        [ البقرة 110 ]، واتضح له فى شرح نونها " أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ". [ الزمر 22 ]
وأما من أخطأه ذلك النور فطولب بكشف المعنى المقصود من حرف كن، فإنه غلط فى هجائه، وخاب فى رجائه، فنظر إلى مثال كن فظن أنها كاف كفرية بنون نكرة، فكان من الكافرين.

أول خـلق الله تعالى:   العقل
روى أنه لما خلق الله تعالى العقل، قال له: أقبل، فأقبل، وقال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتى وجلالى بك أعطى، وبك أمنع، وبك أثيب، وبك أعاقب.
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما خلق الله تعالى العقل قال له: قم ! فقام، ثم قال له: ما خلقت خلقاً هو خير منك، ولا أفضل ولا أحسن منك، بك آخذ، وبك أعطى، وبك أعرف، وبك أعاقب، وبك الثواب، وعليك العقاب ".

أول كلام العـقل:   الحـمد للـــه
روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال: خلق الله تعالى العقل من نور مكنون من سابق علمه، فجعل العلم نفسه، والفهم روحه، والزهد رأسه، والحياء عينيه، والحكمة لسانه، والخير سمعه، والرأفة قلبه، والرحمة همه، والصبر بطنه، ثم قيل له: تكلم، فقال: الحمد لله الذى ليس له ند ولا ضد، ولا مثل ولا عدل، الذى ذل كل شئ لعزته. فقال الرب: وعزتى وجلالى ما خلقت شئ أعز على منك.
من هنا كان أول كلام العقل: الحمد لله، وأول كلام آدم: الحمد لله، وأول كلام كتابه الكريم: الحمد لله، وآخر كلام أهل الجنة: الحمد لله.
مما سبق قد يظن البعض أن هناك اختلاف فى أول المخلوقات، فقيل أن أول المخلوقات هو نور النبى صلى الله عليه وسلم، وقيل الماء، وقيل العرش، وقيل اللوح المحفوظ، وقيل القلم، وقيل العقل.
لكن يمكن القول بأن كل واحد من هذه الموجودات هو أول نوعه: فالماء أول كل شئ، ومع ذلك فهو أول الموجودات المادية السفلية، والعرش أول الأجرام العلوية، والقلم أول المخلوقات المعنوية، والعقل أول مخلوق من المجردات، ونور نبينا عليه الصلاة والسلام إن كان المراد به وجوده الذى ترتب عليه إخراج الناس من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، فيكون معناه أنه صلى الله عليه وسلم أول الأنبياء وجودا، بمعنى أن الله تعالى خلق روحه قبل أرواحهم، ومنها استفادوا وجودهم بتوسطها، وإن كان المراد نور النبوة الذى انتفع به العالم من أوله إلى آخره، فهو أول نور خلقه الله تعالى متعلقاً بروحه عليه الصلاة والسلام، ومنه استمدت أرواح الأنبياء نورها. فهو أول النبيين خلقاً، ونوره أول كل نور.

أول من رأى الجنة والنار:  جبريل
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال النبى صلى الله عليه وسلم: " لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه وقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، قال: فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: فارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فرجع إليها، فإذا هى قد حفت بالمكاره، فرجع إليه، فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، قال: اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فإذا هى يركب بعضها بعضًا، فرجع إليه، فقال: وعزتك لقد خفت ألا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع إليها، فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها ".
فالجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره والصبر عليها، والنار لا ينجو منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها.
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " احتجت الجنة والنار، فقالت هذه: يدخلنى الجبارون والمتكبرون، وقالت هذه: يدخلنى الضعفاء والمساكين، فقال الله لهذه: أنت عذابى أعذب بك من أشاء، وقال لهذه: أنت رحمتى أرحم بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها ".


No comments:

Post a Comment