لا إلــــــــه إلا اللــــــه
قال الإمام الأكبر
محيى الدين بن عربى:
ما قال كلمة التوحيد
أولا من البشر إلا نبى، وهو أفضل جنس البشر، وأول من أتى بكمال البشر، لأنه لا
يخبر عن الحق إلا نبى، فهو كلام الحق على لسانه، فهو أصل الأصول والأحكام
والعبادات رأسها وروحها، فأرفع الكلمات التى تلقاها آدم من ربه كلمة: لا إله إلا
الله، وهى أربع كلمات: نفى ومنفى وإيجاب وموجب .
فالسر التربيعى صار
فى جميع الحقائق الإلهية والكونية والغيبية والشهادة:
v فالأربع
الإلهية: وهى أصل وجود العالم، أى الحياة والعلم والإرادة والقدرة .
v والأربع
الكونية: وهى أصل وجود الأجساد، أى الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة .
v والأربع
العناصر: وهى أصل وجود المولدات، أى ركن الأثير والهواء والماء والتراب .
v والأربع
الأخلاط: وهى أصل وجود الحيوانات، أى الدم والبلغم والمرتان .
v والأربع
الحقائق: وهى أصل وجود الإنسان، أى الجسم والتغذى والحس والنطق .
وكلمة التوحيد اثنا
عشر حرفاً، هى التى استوعبت أصول العالم " الكون "، أى اثنى عشر برجا فى
الفلك الأعظم، واثنى عشر إماماً فى دار الخلافة، ومن هنا قيل بالأئمة الإثنى عشر،
لأن الأعداد اثنا عشر هى العشرات والمئات
والآلاف ( هذه ثلاثة )، ومن الواحد إلى التسعة .
وقيل لأن قول "
لا إله إلا الله " اثنا عشر حرفاً فقد وجب بها اثنا عشر فريضة: ستة ظاهرة،
وستة باطنة، فأما الظاهرة فالطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد، وأما
الباطنة فالتوكل والتفويض والصبر والرضا والزهد والتوبة .
وكانت كلمة التوحيد
" لا إله إلا الله " أربع كلمات، لأن حيث أن النهار نصفين والليل نصفين،
كانت الأنصاف أربعة، فكانت لا إله إلا الله بعدد هذه الأنصاف، ليكون من قالها فى
اليوم والليلة مغفور له ذنوب ما عمل فيها .
وقيل: " لا إله
إلا الله محمد رسول الله " أربعة وعشرون حرفا وساعات الليل والنهار كذلك،
فكأنه قيل: كل ذنب أذنبت فى هذه الساعات يغفر بهذه الحروف .
وقيل: " لا إله
إلا الله محمد رسول الله " سبع كلمات وللعبد سبعة أعضاء، وللنار سبعة أبواب،
فكل كلمة من هذه السبع تغلق بابا من الأبواب السبعة عن كل عضو من الأعضاء السبعة .
وقال الإمام
السمرقندى فى لباب الأربعين: من قال: " لا إله إلا الله " هدمت عنه
أربعة آلاف سيئة، كل كلمة تكفر ألف سيئة.
وقال آخر: أن سر
التربيع [ الأربعة ] هو كونها حاملة عرش العلوم الإلهية، والحقائق الرحمانية،
فالملائكة الأربعة هى حاملة عرش الرحمن اليوم . ولهذا السر التربيعى جعل الله
تعالى قلب الإنسان على أربعة أركان، والكعبة والحوض الأحمدى على أربعة أركان،
والخلفاء الأربعة .
وقال أهل العلم
والحكمة: جعل الله تعالى للأعداد خواص، والإنسان لأنه أفضل أنواع الوجود مركب من
أربعة عناصر، وما كمل وجود إفراده إلا بأربعة: الروح والقلب والعقل والنفس . ولله
سبحانه وتعالى فى مراتب أسمائه الحسنى الإحاطة التربيعية هو: الأول والآخر،
والظاهر والباطن .
وقدم الله تعالى
النفى على الإثبات فى " لا إله إلا الله " ردا على زاعم الشريك ومدعيه،
لأن المناسب من طريق البلاغة والفصاحة أن إيجاب مدعى الإثبات بالنفى، ومدعى النفى
بالإثبات . كما قدم النفى على الإثبات، ليفرغ الموحد قلبه مما سواه، ليواطئ اللسان
القلب، فإذا أفرغه أثبت فيه الله تعالى حتى لا يكون معه غيره، ولا يكون مشغولا
بشىء غيره . فتقديم النفى على الإثبات تنبيه للذاكرين لتفريغ القلوب عن ذكر غيره،
وتفريدها بذكر الله تعالى .
فالموجود الحق المطلق
هو الله تعالى، والمنفى ما سواه، وكل شئ هالك إلا وجهه،، فنفى تخيل وجود الغير هو
المطلوب بالنفى .
فكلمة التوحيد مركبة
من جزئين: النفى والإثبات، ولكل منهما خواص وأحكام منها: من داوم على ذكرها آمنه
الله تعالى من سوء الخاتمة، ومن فتنة المحيا والممات عند النزع، ويثبت قلبه على
التوحيد، ويخفف عليه سكرات الموت، ويفتح عليه من أقوال العلوم الدينية واللدنية،
وتسهل عليه أنواع العبادات البدنية .
وشبهت عبارة "
لا إله إلا الله " بالشجرة الطيبة فى قوله تعالى: " أَلَمْ تَرَ كَيْفَ
ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ
وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء " [ إبراهيم 24 ]، والشجرة هى النخلة، خلقت من
بقية طينة آدم عليه السلام فهى عمتنا، ففاقت أخواتها من الأشجار، كما فاقت كلمة
التوحيد جميع الأذكار . قال صلى الله عليه وسلم: " أفضل ما قلت أنا والنبيون
من قبلى لا إله إلا الله " .
فتشبيه الأفضل
بالأفضل من الحكمة الإلهية، فعروق شجرة التوحيد التصديق، وساقها الإخلاص، وأغصانها
الأعمال، وأوراقها الأقوال، فكما أن أدنى ما فى الشجرة الأوراق، فكذلك أدنى ما فى
الإيمان الأقوال، فمن استظل بهذه الشجرة فقد ظفر، ومن تأخر فقد خسر، فأغصان شجرة
النخلة متوجهة إلى جهة العلو، والكلمة الطيبة صاعدة إلى رب العلا، لا تحتاج إلى
ملك، إذا قال الموحد مرة " لا إله إلا الله " صعدت إلى حضرة الكبرياء
لقوله عز وجل: " إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ " . [ فاطر 10
]
وكلمة " لا إله
إلا الله " هى الحصن الأكبر، قال صلى الله عليه وسلم: " كلمة لا إله إلا
الله حصنى، فمن دخل حصنى آمن من العذاب "، فمن تحصن بها آمن من العذاب فى
الآخرة، وآمن قائلها نفسه وأهله وماله من القتل والنهب، كما قال صلى الله عليه
وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " .
ولأن الحصن لابد له
من أربعة أركان، فقولك " لا إله إلا الله " أربع كلمات، كل كلمة منها
ركن، ولم تتم الحدود إلا بأركانه، فكما أن له أربعة أركان من جهة الصورة، فله
أربعة أركان من جهة المعنى، وهى الصلاة والزكاة والحج والصوم، وكلمة التوحيد
الخامسة هى مدار أركان الإسلام، ومن تحصن بها فقد حصلت له السعادة الأبدية، ومن لم
بتحصن بها فقد حصلت له شقاوة الأبد .
وكما ذكرنا ركبت
الكلمة من نفى وإثبات، أى من جزئين، لما لهما من خواص وتأثير، " فلا إله إلا
الله " خاصيتها فيما سوى الله تعالى المحو عما سوى الله تعالى، وكلمة الله
خاصيتها فى التنزيه، فكاشف القلوب يقول: لا، وكاشف الأرواح يقول: الله، وكاشف
الأسرار يقول: هو لا إله إلا الله، قوت القلوب الله، قوت الأرواح هو قوت الأسرار
لا إله إلا الله، مغناطيسية القلوب الله، ومغناطيسية الأرواح هو، ومغناطيسية
الأسرار لا إله إلا الله .
فالجملة مكونة من أربع
كلمات حاصلها كلمة واحدة، وهى اثنا عشر حرفاً، حاصلها أربع أحرف ( الله )، والله تعالى
إثبات محض، وتوحيد من غير نفى وجحد، وجاءت لا إله إلا الله نافية تنفى ما سوى الله
جل جلاله .
ولم تكن كلمة "
لا إله إلا الله " أية مستقلة عن القرآن، بل كانت جزء من الآية: "
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ " [ محمد 19 ]، حيث أشار تعالى إلى
مراتب العلم فى التوحيد بقوله: فاعلم، أى بعلم اليقين أنه " لا إله إلا الله
"، لا إله بعين اليقين، إلا الله بحق اليقين، فلا موجود إلا الله تعالى
.
قال الإمام الأكبر
محيى الدين بن عربى:
شـــهـد اللـه
لـم يــزل أزلا أنه لا إله إلا هــو الله
ثـم أملاكـه بـــذا شـــهـدت أنه لا إله إلا هــو الله
وأولوا العلم كلهم شهــدوا أنه لا إله إلا هــو الله
ثم قال الرسول قولوا معى إنه لا إله إلا هــو الله
أفضل ما قلتـه وقال بـــــه من قبلنا لا إله إلا الله
وأولوا العلم كلهم شهــدوا أنه لا إله إلا هــو الله
ثم قال الرسول قولوا معى إنه لا إله إلا هــو الله
أفضل ما قلتـه وقال بـــــه من قبلنا لا إله إلا الله
قال موسى: يا رب
علمنى شئ أدعوك وأذكرك به !! قال: يا موسى قل: لا إله إلا الله . قال موسى: يا رب
كل عبادك يقولونها !! قال: يا موسى، لو أن السموات السبع، والأرضين السبع وضعت فى
كفة، ووضعت لا إله إلا الله فى كفة، لمالت بهن لا إله إلا الله .
سئل بعضهم: لم تقول:
الله الله الله، ولا تقول: " لا إله إلا الله " قال: نفى العيب [ أى نفى
عدم الألوهية عند النطق بالنصف الأول من العبارة ] حيث يستحيل العيب عيب .
ووجه نفس السؤال إلى
الشبلى فقال: لا أنفى له ضدا . فصاح السائل له قائلا: أريد أعلى من ذلك ! فقال
الشبلى: أخشى أن أوخذ فى وحشة الجحد [ أى عند مجرد إنتهائى من قولى لا إله ] .
فقال السائل: أريد أعلى من ذلك ! فقال الشبلى: " قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ
فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ " [ الأنعام 91 ]، فزعق الرجل زعقة خرجت بعدها
روحه .
فتعلق أهل الرجل
بالشبلى وادعوا عليه دمه، وحملوه إلى الخليفة، فلما سئل الشبلى فى ذلك قال: روح
حنت فدنت، ودعيت فأجابت، فما ذنبى ؟ فصاح الخليفة: خلوه، فلا ذنب له .
قال الإمام الغزالى: لا
إله إلا الله توحيد العوام، لا إله إلا هو توحيد الخواص .
يا هو، يا من لا هو
إلا هو، يا من لا إله إلا هو، يا أزل، يا أبد، يا دهر، يا من هو الحى الذى لا يموت
.
لا إله إلا هو أخلو
بها وحدى، لا إله إلا هو أنهى بها عمرى، لا إله إلا هو يغفر الله بها ذنبى، لا إله
إلا هو أدخل بها قبرى، لا إله إلا هو ألقى بها ربى .
No comments:
Post a Comment