Sunday, March 29, 2020

التوحيد بالله تعالى 2

التوحيد بالله تعالى 2

لذلك تكون العقائد فى التوحيد خمسة:
v           الله تعالى واحد وليس مركباً.
v           الله تعالى واحد وليس معه إله.
v           الله تعالى واحد فى صفاته فليس له صفتان من نوع واحد.
v           الله تعالى واحد فى صفاته فليس لغيره صفة مثل صفته.
v           الله تعالى واحد فى أفعاله فليس لغيره من الحوادث فعلا أصلاً.
والتوحيد الخالص فى الماضى وفى الحاضر وفى كل مكان وفى كل زمان إنما هو الإيمان بأن الله تعالى وحده هو المتصرف فى الكون، لا شريك له فى الذات، ولا شريك له فى الفعل من خلق ورزق، وإعطاء ومنع، وحياة وموت.
قال الجبائى: يوصف الله تعالى بأنه واحد من وجوه أربعة: لأنه ليس بذى أبعاض ولا بذى أجزاء، ولأنه منفرد بالقدم، ولأنه منفرد بالإلهية، ولأنه منفرد بصفات ذاته نحو كونه عالماً بنفسه وقادراً بنفسه.
فوحدانية الله تعالى تظهر فى أنه لا نظير له، ولا شريك له، ليس معه شئ، وهو أقرب إليك من كل شئ، ولولاه ما كان وجود أى شئ، وليس كمثله شئ، ولا هو مثل شئ، لا يحويه مكان، ولا يحده زمان، هو رب الناس، وملك الناس، وإله الناس.
وهو الظاهر والباطن، لا يحجبه شئ، فهو الذى أظهر كل شئ، وهو الذى ظهر بكل شئ، وهو الذى ظهر فى كل شئ، وهو الظاهر قبل وجود كل شئ، وهو أظهر من كل شئ.
وقال الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندرى:
كيف يتصور أن يحجبه شئ، وهو الذى أظهر كل شئ.
كيف يتصور أن يحجبه شئ، وهو الظاهر قبل وجود أى شئ.
كيف يتصور أن يحجبه شئ، وهو أظهر من كل شئ.
كيف يتصور أن يحجبه شئ، وهو أقرب إليك من كل شئ.
كيف يتصور أن يحجبه شئ، ولولاه ما كان وجود شئ.
وقال الإمام أبو الحسن الشاذلى: كيف تكون الكائنات مظهرة له وهو الذى أظهرها ؟ وكيف تكون معرفة له وهو الذى عرفها ؟. فمن أعجب العجب أن تكون الكائنات موصلة إليه، فليت شعرى هل لها وجود معه حتى توصل إليه ؟ أو هل لها من الوضوح ما ليس له حتى تكون هى المظهرة له ؟.
قال الإمام أبو حنيفة النعمان: الله تعالى لا يشبه شيئا من خلقه، ولا يشبهه شئ من خلقه، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا.
قال تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ". [ الشورى 11 ]
والدليل على وحدانيته تعالى قوله: " لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا " [ الأنبياء 22 ]. قال الحموى: هذا دليل قاطع على وحدانيته جل جلاله، وتمام الدليل أن تقول: لكن السماء والأرض لم تفسدا، فليس إذا فيهما آلهة غير الله تعالى.
فالتوحيد بالله هى الابتداء للحادثات من الله بدءاً، والانتهاء إليه عوداُ، فالحادثات كانت بالله ظهوراً، ولله مِلْكاً، ومن الله ابتداء، وإلى الله انتهاء.
فالله تعالى واحد لا من علة، وموجود لا من قلة، لا يسأل عنه بما ؟، إذ لا يعرف حقيقة الله تعالى إلا الله تعالى، ولا يسأل عنه بمتى كان ؟، لأنه خالق الزمان، فلا يحكم عليه بالزمان، ولا بأين كان ؟، لأنه خالق المكان ؟، فسبحانه تعالى. قال الإمام مالك رضى الله عنه: كان ولا مكان، وهو على ما كان، قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان.
قال الإمام أبو القاسم الأنصارى: هو سبحانه جبار النعت، عزيز الوصف، فالأوهام لا تصوره، والأفكار لا تقدره، والعقول لا تمثله، والأزمنة لا تدركه، والجهات لا تحويه ولا تحده، صمدى الذات، سرمدى الصفات.
قال أحد العارفين بالله عن التوحيد: إن قلت متى ؟ فقد سبق الوقت كونه، وإن قلت أين ؟ فقد تقدم المكان وجوده.
سبحانه وتعالى تفرد بصفة علام الغيوب فعلم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون، لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، ولا تحويه الأقطار، ولا يؤثر فيه الليل والنهار، فهو الواحد القهار.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى دعائه: " يا كائنا قبل كل كون، ويا حاضرا مع كل كون، ويا باقيا بعد انقضاء كل كون".
قال أبو على الروذبارى: كيف تشهده الأشياء وبه فنيت بذاوتها عن ذواتها، أم كيف غابت الأشياء عنه وبه ظهرت بصفاتها، فسبحان من لا يشهده شئ ولا يغيب عنه شئ.
قال العارف بالله عدى بن مسافر الأموى: توحيد البارى عز وجل لا تجرى ماهيته فى مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، جل عن الأمثال والأشكال، صفاته قديمة كذاته، جل أن يشبه بمبتدعاته، أو يضاف إلى مخترعاته، لا سمى له فى أرضه وسمواته، لا عديل له فى حكمه وإرادته، حرام على العقول أن تمثل الله عز وجل، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى الضمائر أن تعمق، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الفكر أن يحيط، وعلى العقول أن تتصور إلا ما وصف به ذاته تعالى فى كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقال العارف بالله على بن وهب السنجارى: رأيت الحق جل وعلا فى المنام فقال لى: يا عبدى قد جعلتك من صفوتى فى أرضى، وأيدتك فى جميع أحوالك بروح منى، وأقمتك رحمة لخلقى، فاخرج إليهم واحكم فيهم بما علمتك من حكمى، وأظهر لهم بما أيدتك به من آياتى. فاستيقظت وخرجت إلى الناس فهرعوا إلى من كل جانب.
وقال معرفة الله عز وجل عزيزة لا تدرك بالعقل، بل يقتبس أصلها من الشرع، ثم تتفرع حقائقها على قدر القرب، فقوم عرفوه بالوحدانية فاستراحوا إلى الصمدانية، وقوم عرفوه بالقدرة فتحيروا، وقوم عرفوه بالعظمة فوقفوا على أقدام الدهشة، وأيقنوا أن لن يدرك أحد عينه، وقوم عرفوه بعزة الإلهية فتنزهوا عن الكيفية والماهية، وقوم عرفوه بالتكوين فعرفوه بالثبات والتمكين، وقوم عرفوه بلا غيره فأراهم من آياته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
قال الإمام أحمد أبو العباس المرسى: لو علم الشيطان أن ثم طريقا توصل إلى الله تعالى أفضل من الشكر لوقف عليها، ألا تراه كيف قال: " ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ شَاكِرِينَ " [ الأعراف 17 ] ولم يقل صابرين ولا خائفين ولا راجعين.
سبحانه وتعالى، لا يتساوى معه أحد بحال من الأحوال:
v         فالله تعالى واجب الوجود لذاته، وغير الله حادث بعد العدم.
v         والله تعالى واجب له كل كمال يليق بذاته، وغير الله تعالى لا يخلو من النقص.
v      والله تعالى واحد لا يشاركه أحد فى حقيقته المخصوصة، ولا يشاركه أحد فى صفة الإلهية، ولا يشاركه أحد فى خلق الأرواح والأجسام، ولا يشاركه أحد فى تنظيم العالم وتدبير أحوال العرش.
v         والله سبحانه وتعالى واجب له الوحدانية، فاستحال فى حقه الشرك والتعدد.
v         ووجب له القدم، فاستحال عليه الحدوث.
v         ووجب له البقاء، فاستحال عليه الفناء.
v         ووجبت له القدرة، فاستحال عليه العجز.
v         ووجبت له الإرادة، فاستحال فى حقه القهر والجبر.
v         ووجب له القيام بالنفس، فاستحال فى حقه الاحتياج إلى غيره.
v         ووجب له العلم، فاستحال فى حقه الجهل.
v         ووجبت له الحياة، فاستحال فى حقه الموت.
v         ووجب له السمع والبصر، فاستحال فى حقه الصمم والعمى.
v         ووجب له الكلام، فاستحال فى حقه البكم.
قال الإمام محى الدين بن عربى: الله سبحانه وتعالى هو خالق الحروف واللغات والأصوات، فكلامه من غير لهاة ولا لسان، كما أن سمعه من غير أصمخة ولا آذان، كما أن بصره من غير حدقة ولا أجفان، كما أن إرادته فى غير قلب ولا جنان، كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظر فى برهان، كما أن حياته من غير بخار تجاويف قلب حدث عن امتزاج الأركان، كما أن ذاته لا تقبل الزيادة والنقصان، فسبحانه سبحانه من بعيد دان، عظيم السلطان، عميم الإحسان، جسيم الامتنان، كل ما سواه فهو عن جوده فائض، وفضله وعدله الباسط له والقابض، أكمل صنع العالم وأبدعه حين أوجده واخترعه، لا شريك له فى ملكه، ولا مدبر معه فى ملكه، إن أنعم فنّعَم فذلك فضله، وإن أبلى فعذّب فذلك عدله، لم يتصرف إلى ملك غيره فينسب له الجور والحيف، ولا يتوجه عليه لسواه حكم فيتصف بالجزع لذلك والخوف، كل ما سواه تحت سلطان قهره، ومتصرف عن إرادته وأمره، لا يحكم عدله فى فضله، ولا فضله فى عدله، أخرج العالم قبضتين، وأوجد لهم منزلتين، فقال هؤلاء للجنة ولا أبالى، وهؤلاء للنار ولا أبالى، ولم يعترض عليه معترض هناك، إذ لا موجود كان ثَمّ سواه، فسبحان من لا فاعل سواه، ولا موجود لنفسه إلا إياه، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون.
فكمالات الله تعالى لا تتناهى، ولا يحصرها عد، ولا يحيط بها حد.
قال تعالى:" وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ".[ الإسراء111]
سبحانه وتعالى لم يتخذ ولدا، لأن من يتخذ الولد يمسك جميع النعم لولده، كما أن الولد يقوم مقام الوالد بعد فنائه، فتنزه ربنا عز جلاله عن ذلك، لأن من كان كذلك لم يستطيع الإنعام فى كل الحالات، فلا يستحق الحمد.
سبحانه وتعالى لم يكن له شريك فى الملك، إذ لو كان له شريك فى الملك فلن يعرف أيهما المستحق فى الحمد والشكر، وكان عاجزاً، ذا حاجة إلى معونة.
سبحانه وتعالى لم يكن له ولى من الذل، أى لم يوال أحداً من آجل مذلة به يدفعها بموالاته.
سبحانه وتعالى تنزه عن كل ذلك، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد.
قال أحمد شوقى:
ألن يبعـث لأمـتـكـم نـبـــى        يوحدكم على نهج الوئـام
ومصحفكم وقبلتكم جميعاً        منار للمــحـبـة والســـلام
وفوق الكل رحمن رحيــم        إلـــه واحـــــد رب الأنــام                 
سبحانه وتعالى رأى خلقه قبل أن يخلقهم، كما رآهم بعد أن خلقهم، أدخلهم الجنان قبل أن يطيعوه، وأدخلهم النار قبل أن يعصوه، وهو أعز من أن تغضبه أعمال الغضب فأسكنهم دار الغضب، وهو أكبر من أن ترضيه أفعال خلقه، ولكنه نظر إلى قوم بعين الرضا قبل أن يخلقهم، فلما أظهرهم استعملهم بأعمال الرضا، فأسكنهم دار الرضا.
ومن الدلائل على وحدانيته عز وجل عجيب صنعه، فقد  خلق السموات السبع من دخان، مع كون كل سماء لا تشبه صاحبتها، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من أنواع النباتات والأثمار المختلفة اللون والطعم. " وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " [ الرعد 4 ]، وخلق أولاد آدم على طبقات شتى منهم الأبيض والأسود، والسهل والحزن، والمؤمن والكافر، والعالم والجاهل، مع أن الأصل آدم. فسبحان من أتقن كل شىء خلقه، وسبحان الواحد الأحد.
قال الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه:
إن أول الديانة معرفة الله، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، والإخلاص له نفى الصفات عنه بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة الموصوف أنه غير الصفة، وشهادتهما جميعاً بالتنبيه على أنفسهما بالحدث الممتنع من الأزل، فمن وصف الله عز وجل فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن عده فقد أبطل أزله، ومن قال: كيف ؟ فقد استوصفه، ومن قال: فيم ؟ فقد ضمنه، ومن قال: علام ؟ فقد أخلى منه، ومن قال: أين ؟ فقد نعته، ومن قال: إلى ؟ فقد عداه، عالم إذ لا معلوم، وقادر إذ لا مقدور، ورب إذ لا مربوب، ومصور إذ لا مصور، فكذلك ربنا تبارك وتعالى وفوق ما يصفه الواصفون.
قال شاعر:
ما فى الوجود سواك رب يعــبد          كلا ولا مولى هناك فيقصد
يا من له عنت الوجوه بأسرهـا          رهـبا وكل الكائنات توحــد
أنت الإله الواحـد الحـق الـــذى          كل القـلوب تقر له وتشهـد
قال أحد المفسرين: أن الله تعالى قديم أزلى والدليل على ذلك:
v      أن كونه تعالى أبدياً أزلياً لا يوجب القول بوجود زمان لا آخر له، لأن الزمان إذا كان أزلياً، فالتقدير أن كونه لا يتقرر إلا بسبب زمان آخر، هنا يلزم إفتقار الزمان إلى زمان آخر، فيلزم التسلسل وهذا لم يحدث. وإنما الحال أن الزمان ليس أزلياً، وأن الله تعالى كان أزليا موجوداً قبل ذلك الزمان.
v      أن الشىء كلما كان أزليا كان باقيا، لكن لا يلزم من كون الشىء باقياً كونه أزليا، فلفظ الباقى يفيد الدوام، وعلى هذا لا يصح وصف الأجسام بالباقى.
v      قال تعالى: " هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ " [ الحديد 3 ]، فجعله أولاً لكل ما سواه، وآخرا لكل ما سواه، حيث نجد أن ما كان أولاً لكل ما سواه امتنع أن يكون له أول، إذ لو كان له أول لامتنع أن يكون أولاً لأول نفسه، ولو كان له آخر لامتنع كونه آخرا لآخر نفسه، فلما كان سبحانه وتعالى أولاً وآخراً لكل ما سواه، امتنع أن يكون له أول وآخر، فهذا اللفظ يدل على كونه عز وجل أزلياً لا أول له، أبدياً لا آخر له.
v      لو كان صانع العالم محدثاً لافتقر إلى صانع آخر ولزم التسلسل، وهذا محال، فهو قديم، وإذا ثبت أنه قديم وجب أن يمتنع زواله، لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه.
v     أن الله واجب الوجوب لذاته، أى أن ماهيته وحقيقته هى الموجبة لوجوده، وكل ما كان كذلك فإنه يكون ممتنع العدم والفناء، ووجب أن يكون قديماً أزلياً.
قال أبو العتاهية: 
فيا عجبا كيف يعصى الإله               أم كـيف يـجـحـده الجاحــد
وفـي كـل شــيء لـه آيــــة               تدل عـــلى أنــه الــواحـــد
ولله فــــي كـل تحـــريـكــة               وتسكينة في الورى شاهد
وقال آخر:
سبحانك اللهـم أنت الـواحـــد            كل الوجود على وجودك شاهد
يا حى يا قـيوم أنت المرتجى            وإلى علاك عنا الجبين الساجد
وقال أبو القاسم الجنيد: أشرف كلمة فى التوحيد ما قاله أبو بكر الصديق رضى الله عنه: سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته.
سُئل أبو بكر الصديق رضى الله عنه: بم عرفت ربَّك ؟ قال: عرفت ربى بربى، ولولا ربى ما عرفت ربى !! فقيل له: وكيف عرفته ؟ قال: العجز عن الإدراك إدراك.
فسر قوله العز بن عبد السلام: معنى هذه الإشارة أن الحواس الخمس التى هى آلات الإدراك لسائر المحسوسات، لا وصول لها إلى إدراكه، فإذا علمت أن الحق سبحانه وتعالى منزه عن إدراك الحواس لِكُنْه ذاته وصفاته، لعجزها عن إدراكه، فقد عرفت الحق.
وقال الجنيد أيضا: التوحيد هو إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحاديته، إنه الواحد الذى لم يلد ولم يولد بنفى الأضداد والأشباه، وما عبد من دونه بلا تشبيه ولا تكييف، ولا تصوير ولا تمثيل، إلها واحداً فرداً صمداً، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير
سبحانه وتعالى.. هو المعبود بحق، المستغنى عمن سواه، المفتقر إليه جميع من عداه، لا يعجزه شئ فى السموات ولا فى الأرض، كل شئ قائم به، وكل شئ خاشع له، عز كل ذليل، وغنى كل فقير، ومجير كل ملهوف، وقوة كل ضعيف، من تكلم سمع نطقه، ومن سكت علم سره، ومن عاش فعليه رزقه، ومن مات فإليه منقلبه
سبحانه وتعالى.. علا فقهر، وبطن فخبر، وملك فقدر، تنزه عن الشريك ذاته، وتقدست عن مشابهة الأغيار صفاته، معروف بلا غاية، وموصوف بلا نهاية، بالبر معروف، وبالإحسان موصوف، ليس بجسم ولا صورة، ولا معدود ولا محدود، ولا متبعض ولا متجزئ، ولا متناه ولا متكيف، ولا متلون.
سبحانه وتعالى.. له الكبرياء والعظمة، والبهاء والعزة، والسلطان والقدرة، تعالى عن أن يكون له فى سلطانه شريك، أو فى وحدانيته نديد، أو فى تدبيره معين أو ظهير، أو أن يكون له ولد، أو صاحبة أو كفء أحد، لا تحيط به الأوهام، ولا تحويه الأقطار، ولا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.

قيل لسقراط: صف لنا البارئ تعالى. قال: إن كان دون عقلك أو مثله وصفته، وإن كان فوق عقلك فكيف أصفه.

التوحيد بالله تعالى


التوحيد بالله تعالى  

التوحيد مصدر وحد يوحد، ومعنى وحدت الله تعالى اعتقدته منفرداً بذاته وصفاته، لا نظير له ولا شبيه. قيل معنى وحدته:
v    علمته واحداً.
v    سلبت عنه الكيفية والكمية، فهو واحد فى ذاته لا انقسام له، وفى صفاته لا شبيه له، وفى إلهيته وملكه وتدبيره لا شريك له، ولا رب سواه، ولا خالق غيره.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى أهل اليمن قال له: " إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى..".
عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: " يا معاذ ! أتدرى ما حق الله على العباد ؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: " أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدرى ما حقهم عليه ؟ "، قال: الله ورسوله أعلم. قال: " أن لا يعذبهم ".
قال تعالى: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ  "، وقال تعالى: " وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ " [ البقرة 163 ]، " الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ " [ إبراهيم 48 ]، " قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ". [ الأنبياء 108 ]
وصف الله تعالى نفسه بأنه أحد، هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، واحد لا أول لوجوده، ولا آخر لأبديته. هو الأول لم يولد فليس قبله شئ، وهو الآخر لم يلد وليس بعده شئ، فهو الآخر قبل كل أول، والآخر بعد كل آخر، والدائم بلا زوال، والقائم على كل شئ بغير انتقال، فهو تعالى واحد بلا عدد، قائم بلا عمد، باقى بعد كل أحد، دائم بلا أمد.
قال الإمام محى الدين بن عربى: قالت اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم: أنسب لنا ربك ؟ فأنزل الله تعالى عليه سورة الإخلاص، ولم يقدم تعالى لهم من أدلة النظر دليلا واحدا، فقال تعالى: " قُلْ هُوَ اللَّهُ " فأثبت الوجود، " أَحَدٌ " فنفى العدد وأثبت الأحدية لله سبحانه، " اللَّهُ الصَّمَدُ " فنفى الجسم، " لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ " فنفى الوالد والولد، " وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ " فنفى الصاحبة، كما نفى الشريك بقوله تعالى: " لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ". [ الأنبياء 22 ]
قال أحد العارفين بالله: " قل ": إثبات الوحى والتنزيل، " هو ": براءة من النفى والتعطيل، " الله ": براءة من الكفر والتبديل، " أحد ": براءة من الشرك والتعديل، " الله الصمد ": نفى الآفات عنه بالتفصيل، " لم يلد ولم يولد ": نفى التكثير والتفضيل، " ولم يكن له كفوا أحد ": نفى التشبيه والتمثيل.
وقال آخر: يا عارف قل: " هو "، يا مشتاق قل: " الله "، يا مطيع قل: " أحد "، يا زاهد قل: " الصمد "، يا عالم قل: " لم يلد ولم يولد "، يا عاصى قل: " ولم يكن له كفوا أحد ".
وقال آخر: يا قلب قل: " هو "، يا سر قل: " الله "، يا روح قل: " أحد "، يا لسان قل: " الصمد "، يا سمع قل: " لم يلد ولم يولد "، يا بصر قل: " ولم يكن له كفوا أحد ".
وقال آخر: كأن الله تعالى يقول: أيها الطالبون " هو "، إشارتى، ويا أيها الراغبون " الله "، اسمى، ويا أيها الموحدون " أحد "، نعتى، ويا أيها المشتاقون " الصمد "، صفتى، ويا أيها العاملون " لم يلد ولم يولد " نسبتى، ويا أيها العارفون " ولم يكن له كفوا أحد " هيبتى.
قيل للإمام على بن أبى طالب كرم الله تعالى وجهه: متى كان الله تعالى ؟ قال: ومتى لم يكن ؟ هو الأول فلا شئ قبله، الآخر فلا شئ بعده، الظاهر فلا شئ فوقه، الباطن فلا شئ دونه، وهو بكل شئ عليم.
يرى ابن خلدون أن التوحيد ليس الإيمان أو التصديق وحده ، بل الكمال فى أن يحصل للنفس حالة يحصل عنها علم اضطرارى هو توحيد الله فى ذاته وصفاته وأفعاله. وقال التهانوى: التوحيد مراتب، منها ما كان علميا بالبرهان وهو الحاصل للنظار بأدلة النقل والعقل، ومنها ما كان عينياً مصدره الوجدان بأن يجد صاحبه بالذوق والمشاهدة عين التوحيد ـ أى توحيد الله فى ذات صفاته وأفعاله ـ ويرى حينئذ أن الذوات والصفات والأفعال متلاشية، ليس فيها وجود بجانب ما لله تعالى الذى لا يرى غيره.
سئل أبو الحسن على بن محمد المزين عن المعرفة بالله تعالى فقال: أن تعرف الله بكمال الربوبية، وتعرف نفسك بكمال العبودية، وتعلم أن الله تعالى أول كل شئ، وبه يقوم كل شئ، وإليه يصير كل شئ، وعليه رزق كل شئ.
وسئل عن التوحيد فقال: أن توحد الله تعالى بالمعرفة، وتوحده بالعبادة، وتوحده بالرجوع إليه فى كل ما لك وعليك، وتعلم أن ما خطر بقلبك أو أمكنك الإشارة إليه فالله تعالى بخلاف ذلك، وتعلم أن أوصافه مباينة لأوصاف خلقه.
فالله تعالى واحد من كل الوجوه، واحد فى ذاته، واحد فى صفاته، واحد فى أفعاله، واحد فى عبادته.
v    واحد فى ذاته لا قسيم له، أى إن ذاته واحدة وليست مركبة من أجزاء، وبالتالى لا يقبل الانقسام والتجزئة، فنفى بذلك التعدد.
v    واحد فى صفاته لا شبيه له ولا مثيل، أى أنه لا يوجد لأحد من المخلوقات صفة تشبه صفته فى كمالها، فهو ليس كمثله شئ. فنفى عنه وجود صفة تشبه صفته.
v    واحد فى أفعاله لا شري له ولا معين، أى أنه هو وحده الخالق المبدع لكل شئ، وهو مستقل بالإيجاد والإبداع فنفى أن يكون لغيره من الحوادث فعل من الأفعال.
v    واحد فى عبادته فلا شريك له ولا معبود سواه، فنفى أن يكون معه إله آخر يعبد.

أحـديته فى ذاته:
معناها أنه يستقل بوجوده عن وجود جميع الكائنات والمخلوقات، فوجودها حادث بعد عدم، وهى محتاجة إلى علة توجدها، وتظل قائمة عليها، حافظة وجودها طول ما كتب لها من بقاء. أما وجود الله تعالى فوجود أزلى، وجود لذاته، ومنه انبثق الوجود كله. إنه واجب الوجود الذى لا أول لوجوده ولا آخر، والفرد الذى لا تركيب فى ذاته، إذ لو كان مركبا من أجزاء وأقسام لتقدم وجود الأجزاء والأقسام على وجود الكل الجامع لها والمؤلف منها، فيكون وجوده محتاجاً إلى وجود غيره، وهو ما يتعارض مع وجوده الأزلى القديم. وهو أحد فلا إله سواه، وإن إشراك أى قوة من قوى الطبيعة معه لشرك عظيم، فالله لا شريك له ولا مثيل.
سئل سهل بن عبد الله التسترى عن ذات الله تعالى فقال: ذات الله موصوفة بالعلم، غير مدركة بالإحاطة، وقد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، والقلوب تعرفه، والعقول لا تدركه، ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة، ولا إدراك نهاية.
وقال الشبلى: من أشار إليه فهو ثنوى، ومن كيفه فهو وثنى، ومن نطق فيه فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن وهم أنه واجد فهو فاقد، وكل ما ميزتموه بأفهامكم، وأدركتموه بعقولكم فهو مصروف مردود إليكم، محدث مصنوع مثلكم.
فالعلم بذات الله تعالى أن يعلم الإنسان أنه تعالى بقدم ذاته موجود، ولا حد له ولا حدود، ليس فى مكان وجهة، ولا تلحق بذاته آفة، وليس كمثله شئ من خلقه، لا صاحبة له ولا ولد، وكل ما يتصوره الوهم فهو تعالى خلافه، " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ". [ الشورى 11 ]
وقد يؤدى التفكير فى الله تعالى عند بعض الناس أن يذهب بهم أحيانا إلى البحث فى ذات الله تعالى، ثم إلى صور لا تليق بالخالق عز وجل، وهذه الوسوسة هى من كيد الشيطان، وهو كيد ضعيف لا يزعزع إيمان المؤمن.
ولقد شكا أحد الصحابة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يجد فى نفسه لأن يكون حمَممة ( فحمة محترقة ) أحَبُّ إليه من أن يتكلم به. فقال عليه السلام: " الله أكبر، الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة ".
قال الإمام ابن القيم: أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم مَنْ بُلى بوسوسة التسلسل فى الفاعلين ( أى البحث عن فاعل الفعل، ثم فاعل فاعل الفعل ) إذا قيل له: الله خلق الخلق، فمن خلق الله ؟ أن يقرأ قوله تعالى: " هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ". [ الحديد 3 ]
وسأل أبو رُميل سماك بن الوليد الحنفى ابن عباس رضى الله عنهما: شئ ما أجده فى صدرى ؟ قال: ما هو ؟ قال: والله لا أتكلم به ! قال: فقل لى، أشئ من شك ؟ قال: نعم. قال: والله ما نجا من ذلك أحد حتى نزل قول الحق: " فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ " [ يونس 94 ]، فإذا وجدت فى نفسك شيئا فاقرأ قوله تعالى: " هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ".

وحـدانية الصـفـات:
تعنى تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوقين من البشر وغير البشر، فهو متفرد بصفاته تفرده بذاته " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " لا فى الذات، ولا فى الصفات.
أما العلم بصفاته: هو أن تعلم أن صفاته قائمة به، أى ليست منفصلة عنه، وهو بذاته قائم ودائم كالعلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر " إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ " [ الأنفال 43 ]، " وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " [ الشورى 9 ]، " هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ " [ غافر 65 ]، " فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ " [ البروج 16 ]، " هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ". [ الإسراء 1 ]، " فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ " [ هود 107 ]

وحـدانية الأفعال:
هى التفرد فى خلق الكون والقيام عليه، وتدبير نظامه المحكم بقوانين ماثلة فى جميع الأشياء، فلو كان معه شريك لتعددت الآلهة وتنازعت فى الخلق وقوانينه، ولاضطرب نظام الكون واختل اختلالا يفضى إلى انهياره، غير أن شيئا من ذلك لم يحدث، مما يدل دون أدنى شك على أن إلهاً واحداً هو الذى يصرف الكون ويدبره، ويحفظ بناءه ونظامه، وسننه وقوانينه، وأنه صانع أحكم كل شئ فى الوجود وقدّره تقديراً، يشهد بتفرده فى الخلق والتكوين والإبداع.
أما العلم بأفعاله هو أن تعلم أنه تعالى خالق الخلق، وخالق أفعالهم، وكان العالم عدماً وبفعله وُجد، وهو مقدر الخير والرزق، وخالق النفع والضر " اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ". [ الرعد 16 ]
والدليل على إثبات أحكام شريعته أن تعلم أنه قد بعث إلينا الرسل بمعجزات تنقض العادة، وأن محمدا عليه الصلاة والسلام رسوله حقاً، وكل ما أخبرنا من الغيب والعيان حق بجملته.

واحـدانية عـبادته:
هى طاعته والإخلاص له وحده، فلا شريك له ولا معبود سواه، وإذا تحقق ذلك أضفى على الإنسانية كرامتين:
v  كرامة تحرير الروح من الشرك وعبادة الأوثان والأصنام والأحجار، وإعدادها لكى تتلقى ما أودع فى فطرتها من الإيمان بالله وبوحدانيته، والإخلاص له إخلاصاً يسمو بالإنسان.
v كرامة تحرير العقل من الخرافات، وكل ما اتصل بالوثنية من أوهام باطلة، وإعداده لكى يسترد حقوقه التى كانت مهدرة، فلا يقع فى مخالب خرافة، ولا فى براثن أسطورة، ولا يصبح لعبة فى يد كهان أومشعوذين.