Saturday, April 11, 2020

الدليل على وجود الله تعالى 3


الدليل على وجود الله تعالى 3
خير دليل على وجود الله عز جلاله هو وجود الإنسان، ففى جسده الكثير من العجائب، كما فيه أسرار لا يعلمها إلا الله تعالى. قال تعالى " وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ". [ الذاريات 21 ]
لقد خلق الله تعالى الإنسان وصوره على سبعة أعضاء، وعلى سبعين مفصلاً، ومائة وثمانية وأربعون عظماً، وثلاثمائة وستين عرقاً، و 124000 منبت شعر اليدين والرجلين والعينين والأذنين، وسائر الأعضاء. كل هذا حياتها فى الدنيا بروح واحدة، فكيف العرش والكرسى، والجنة والنار، واللوح والقلم، والسماء والأرض، والأنهار والبحار، والأنبياء والملائكة، والجن والإنس، من العرش إلى الفرش، ومن الفلك إلى السمك، ومن العلا إلى الثرى، أجناس مختلفة الصور والأجناس، وخالقهم هو الواحد القهار، العزيز الجبار.
قال الإمام ابن قيم الجوزية:
إذا نظر الإنسان فى نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات، وأدلة التوحيد على ربه ناطقات، شاهدة داله عليه، مرشدة إليه. فقد جعل الله تعالى فى جسم الإنسان تسعة أبواب:
v      بابان للسمع: جعل داخلهما مراً قاتلا، لئلا تلج فيه دابة تخلص إلى الدماغ فتؤذيه.
v      وبابان للبصر: مالحا، لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم.
v      وبابان للشم.
v      وبابا للكلام والطعام والشراب: وجعل داخله حلوا، ليسيغ به ما يأكله ويشربه.
v      وبابان لخروج الفضلات: التى يؤذيه احتباسها.
وجعل الله تعالى له مصباحين من نور، مركبين فى أعلى مكان منه، وفى أشرف عضو من أعضائه، ركب هذا النور فى جزء صغير جداً يبصر به السماء والأرض وما بينهما، وغشاه بسبع طبقات، وثلاث رطوبات، بعضها فوق بعض حماية لها وصيانة وحراسة. وجعل على محله غلقا بمصراعين أعلاه وأسفله، وركب فى ذيل المصراعين أهدابا من الشعر وقاية للعين وزينة وجمالا، وجعل فوق ذلك كله حاجبين من الشعر يحجبان العين من العرق النازل.
واقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن جعل فى العين بياضا وسوادا، وجعل القوة الباصرة فى السواد، وجعل البياض مستقراً لها ومسكنا، وزين كل منهما بالآخر.
وجعل الحدقة سوداء لأنها لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر فضعف الإدراك، لأن السواد يجمع البصر ويمنع من تفرق النور الباصر. وخلق سبحانه وتعالى لتحريك الحدقة وتقليبها أربعا وعشرين عضلة، لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر العين.
ولما كانت العين كالمرآة جعل الله سبحانه وتعالى هذه الأجفان متحركة من غير تكلف، لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات. وإذا نظرت إلى الذبابة والتى لم يخلق الله تعالى لعينها أجفانا فإنها باستمرار تنظف عينها بيدها من آثار الغبار.
ولأن العين من ألطف الأعضاء إلا أنها بعيدة عن التأثر بالحر والبرد، بعكس الأذن رغم صلابتها وغلظتها إلا أنها تتأثر بهما أكثر من العين.
أما الأذن فقد جعل الله تعالى فيها انحرافات وإعوجاجات لتطول المسافة قليلا، فلا يصل الهواء إليها إلا بعد انكسار حدته، فلا يصدمها مرة واحدة فيؤذيها، ولئلا يفاجئها الداخل إليها من الحشرات
وجعلها سبحانه وتعالى فى الجانبين ليدرك الإنسان ما خلفه وأمامه، وعن يمينه ويساره، فتأتى إليه المسموعات على نسبة واحدة. وخلق الأذنان بغير غطاء، بينما العينان بغطاء، لأن لو كان لها غطاء لمنع إدراك الصوت. وجعل الأذن عضوا غضروفيا ليس بلحم فيتأثر بالحر والبرد والشمس والسموم، وليس بعظم فينكسر وينصدع، وإنما هى بين الصلابة واللين، وأبرزها خارج الرأس لتتلقى ما يرد إليها من الأصوات.
ونصب الله تعالى الأنف فى وسط الوجه قائماً معتدلاً، وجعل تجويفه بقدر الحاجة، فلم يوسعه عن ذلك فيدخله هواء كثير، ولم يضيقه فلا يدخله من الهواء ما يكفيه، وجعل هذا التجويف مستطيلاً لينحصر فيه الهواء، وينكسر برده وحدته.
وجعل للأنف تجويفان، لأنه قد ينسد إحداهما أو يعرض له آفة تمنعه من الاستنشاق، فيبقى التجويف الثانى نائبا يعمل عمله، كما كانت الحكمة فى العينين.
فعندما يستنشق الإنسان الهواء يدخل أولاً من المنخرين، وينكسر برده هناك، ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه، ثم يصل إلى الرئة ألطف ما يكون، ثم تبعثه إلى القلب فيروح عن الحرارة التى فيه، ثم ينتقل إلى العروق التى تنقله إلى أقصى أطراف البدن، وإذا سخن فى الباطن ولم يعد له نفع عاد فى نفس الدورة بالعكس، ليخرج من المنخرين، ويعود هواء بدلاً منه.
وللإنسان فى اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس لله تعالى، فى كل نفس عدة نعم.
أما الفم فهو محل العجائب، فهو باب الطعام والشراب، والنفس والكلام، ومسكن اللسان الناطق، ترجمان القلب ورسوله المبلغ عنه.
ومن حكمته أن النفس المستغنى عنه الذى يدفعه القلب إلى الخارج يؤدى إلى حدوث الصوت فى الحنجرة، كما أنه جل علاه جعل الحناجر مختلفة الأشكال فى الضيق والسعة والخشونة والنعومة، لتختلف الأصوات باختلافها، فلا يتشابه صوتان.
واللسان أودعه الله تعالى منفعة الكلام والتذوق، وجعله جلا علاه عضوا لحميا لا عظم فيه، لتسهل حركته، لأنه لو كان فيه عظم لما كان له التحرك والبسط فى أقصى الفم وجوانبه، وأى عضو من الأعضاء إذا حركته كما يتحرك اللسان لم يطق ذلك ويكل ويخلد إلى السكون، أما اللسان فهو لا يكترث بكثرة الحركة.
وغطى الله جل علاه اللسان بغطائين: الأسنان والفم، بينما غطى العين بغطاء واحد، ولم يضع على الأذن غطاء، وذلك لخطر اللسان لأنه آفة، فآفة الكلام أكثر من آفة النظر، وآفة النظر أكثر من آفة السمع.
 وجعل الفم أكثر الأعضاء رطوبة لتخلل الريق إليه دائما لا يفارقه، وجعله حلوا لا مالحا كماء العين، ولا مرا كالذى فى الأذن، ولا عفنا كالذى فى الأنف، بل هو أعذب مياه البدن وأحلاها.
ووضع جل علاه فى الفم آلة القطع وآلة الطحن، ليصل الطعام إلى المعدة ليسهل التعامل معه، وجعل آلة القطع وهى الثنايا وما يليها حادة الرءوس ليسهل بها القطع، وجعل النواجذ وما يليها من الأضراس مسطحة الرءوس عريضة ليتأتى بها الطحن.
وأنبتها من نفس اللحم كما ينبت الزرع فى الأرض، ولم يكسها سبحانه وتعالى لحما كسائر العظام، إذ لو كساها اللحم لتعطلت المنفعة منها.
ومن عجيب آمرها الصلة التى بينها وبين المعدة، فالأسنان تطحن ما يصل إليها من يابس وصلب، ثم تسلمه إلى اللسان فيعجنه، ثم يسلمه إلى الحلق فيوصله إلى المعدة فتنضجه. فإذا عجزت الأسنان عن قطع شئ وطحنه، عجزت المعدة عن إنضاجه وطبخه، وإذا كلت الأسنان كلت المعدة، وإذا ضعفت ضعفت.
ومن تمام حكمته أن أبعد المعدة عن الفم، وجعل بينهما مجرى طويل وهو المرىء، وذلك ليحدث تغير للغذاء فى طريقه إليها، وكذلك لبعده عن آلة التنفس حتى لا تعيق عمله، وكذلك حتى لا يعيق الكلام.
ووضعت المعدة على الجانب الأيسر أميل منها إلى الجانب الأيمن، ليتسع المكان للكبد ولا ينحصر، وجعلها تعالى مستديرة لتتسع للطعام والشراب، وجعلها مستطيلة لأنها موضوعة بين الكبد والطحال، وجعل أسفلها أضيق وهو البواب من مدخلها وهو المرئ، لأن ما تبتلعه يكون أصلب وأخشن مما تخرجه، ولكى لا ينزل منه الطعام والشراب قبل نضجه، ولكى يخرج أولا فأولا لا دفعة واحدة.
وجعل سبحانه وتعالى الكبد موضوعة فى الجانب الأيمن، لأن القلب فى الجانب الأيسر، فأبعد الكبد عنه لئلا يتأذى بحرارتها. وأحيطت المعدة بالأعضاء لتسخينها لطبخ الطعام بها، فالكبد منطبق عليها من اليمين، والطحال يسخنها من الجانب الأيسر، والصلب يسخنها من الخلف، والترائب تسخنها من الأمام.
وبعد طحن الطعام فى المعدة يتحول إلى ثلاث أنواع: نوع كالرغوة والزبد الطافى، ونوع زيتى، ونوع مائى، وجعل لكل نوع منها مستقر لها.
v      فالجزء الرغوى الطافى تجذبها المرارة والتى وضعها جل علاه فوق الكبد، لأن المجتذب هو الجزء الرغوى.
v      أما الجزء الزيتى فيجذبه الطحال، ووضعه الله تعالى أسفل الكبد
v      أما الجزء المائى فتمتصه الكليتين بعنقين طويلين يفرغانها فى المثانة بعرقين آخرين، وقد وضعت أسفل الكبد قليلاً للتخلص من هذه الأجزاء المائية.
وعند تنقية الدم يقوم الكبد بدفعه ليتم توزيعه على جميع أعضاء الجسم، قسمة عدل لا ظلم ولا جور فيها.
ومن حكمته أن وضع الطحال فى الجانب الأيسر مقابلا للكبد، لئلا يميل الشق الأيمن بالمعدة، لأن المعدة لا يمكن أن توازن الكبد، لأنها دائما تمتلئ وتخلو، فتارة تكون أخف من الكبد، وتارة أرجح منها، فجعل الله تعالى الطحال فى الجانب الأيسر ليوازن الكبد وجعل المعدة بينهما.
وجعل الله تعالى الأمعاء طويلة ملتفة، فلولا ذلك لخرج الغذاء قبل الاستفادة منه، مما يعرض الإنسان لشهوة الأكل الدائمة.
ويدفع القلب الدم إلى أعضاء الجسم كل حسب حاجته، فيصير الدم فى اللحم لحما،  وفى العظم عظما، وفى العصب عصبا، وفى الظفر ظفرا، وفى الشعر شعرا، وفى السمع والبصر وآلة الحس كذلك، فتبارك من كان هذا صنعه فى قطرة من ماء مهين. فهذا هو الإنسان الذى أول مبدأه نطفة، وهى قطرة ماء مهينة ضعيفة لو تركت ساعة لبطلت وفسدت.

No comments:

Post a Comment