Friday, April 3, 2020

التوحيد بالله تعالى 3


التوحيد بالله تعالى 3
سبحانه وتعالى.. معبود مَنْ فى السماء، مقصود مَنْ فى الأرض، وهو الموجود قبل كل سماء وفضاء، وظلام وضياء، وشمس وقمر، وعين وأثر، وغير وغبر، فسبحانه.. تعرّف إليهم بآياته، ثم تعرّف إليهم بصفاته، ثم كان كاشفهم بحقائق ذاته، فقوله: " لا إله إلا هو " تعريف للسادات والأكابـر، وقوله: " خالق كل شئ " تعريف للعوام والأصاغر.
سبحانه وتعالى.. قيوم لا يفنيه الأبد، ولا يغيره الأبد، بل هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، منزه عن الجسمية ليس كمثله شئ، وهو فوق كل شئ، فوقيته لا تزيده بعداً عن عباده، وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد، وهو على كل شئ شهيد، وهو معكم أينما كنتم.
لا يشابه قربه قرب الأجسام، كما لا يشابه ذاته ذوات الأجرام، منزه عن أن يحده زمان، مقدس عن أن يحيط به مكان، تراه أبصار الأبرار فى دار القرار، على ما دلت عليه الآيات والأخبار، حى قادر جبار، قاهر لا يعتريه عجز ولا قصور، ولا تأخذه سنة ولا نوم، له الملك والملكوت، والعزة والجبروت، خلق الخلق وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا تحصى مقدوراته، ولا تتناهى معلوماته، عالم بجميع المعلومات، لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السموات، يعلم السر والخفى، ويطلع على هواجس الضمائر وخفيات السرائر، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمحبته وإرادته.
قال الإمام محى الدين بن عربى: سبحانه وتعالى.. موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده، بل كل موجود سواه مفتقر إليه تعالى فى وجوده، فالعالم كله موجود به، وهو وحده متصف بالوجود لنفسه، لا افتتاح لوجوده، ولا نهاية لبقائه، بل وجود مطلق غير مقيد قائم بنفسه، ليس بجوهر متحيز فيقدر له المكان، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء، مقدس عن الجهات والأقطار، مرئى بالقلوب والأبصار، إذا شاء استوى على عرشه كما قاله، وعلى المعنى الذى أراده، ليس له مَثل معقول، ولا دلت عليه العقول، لا يحده زمان، ولا يقله مكان، بل كان ولا مكان، وهو على ما عليه كان، خلق المتمكن والمكان، وأنشأ الزمان، وقال أنا الواحد الحى، لا يؤوده حفظ المخلوقات، ولا ترجع إليه صفة لم يكن عليها من صنعة المصنوعات، تعالى أن تحله الحوادث أو يحلها، أو تكون بعده أو يكون قبلها، بل يقال كان ولا شئ معه، فإن القبل والبعد من صيغ الزمان الذى أبدعه، فهو القيوم الذى لا ينام، والقهار الذى لا يرام، لا يحجب سمعه البعد فهو القريب، ولا يحجب بصره القرب فهو البعيد، يسمع كلام النفس فى النفس، وصوت المماسة الخفية عند اللمس، ويرى السواد فى الظلماء، والماء فى الماء، لا يحجبه الامتزاج ولا الظلمات ولا النور.
قال الإمام القشيرى: الواحد: من لا مثل له يدانيه، ولا شكل يلاقيه، لا قسيم يجانسه، ولا نديم يؤانسه، ولا شريك يعاضده، ولا معين يساعده، ولا منازع يعانده، أحدى الحق، صمدى العين، ديمومى البقاء، أبدى العز، أزلى الذات، واحد فى عز سنائه، فرد فى جلال بهائه، وتر فى جبروت كبريائه، قديم فى سلطان عزه، مجيد فى جمال ملكوته.
وقال كذلك: فما من عين من العدم محصولة، من شخص أو من طلل، أو رسم أو أثر، أو سماء أو فضاء، أو هواء أو ماء، أو شمس أو قمر، أو قَطْرٍ أو مطر، أو رمل أو حجر، أو نجم أو شجر، إلا وهو على الوحدانية دليل، ولمن يقصد وجوده سبيل.
قال أبو عبد الرحمن السلمى: كيف تدرك حقيقته والجهات لا تضمه، والسِنة لا تأخذه، والأوقات لا تداوله، ومصنوعه لا يجادله، والترجمة لا تجليه، والأدوات لا تؤديه، والإشارات لا تدانيه، لم يلتبس به حال، ولا ينازعه بال، لا الصفات أوجدته، ولا الأسامى زينته ؟ بل هو موجد كل الوجود، وخالق كل موصوف.
وقال أبو القاسم القشيرى: الله تعالى أحدى الذات، ليس يشبه شيئاً من المصنوعات، ولا يشبهه شئ من المخلوقات، ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصور فى الأوهام، ولا يتقيد فى العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجرى عليه وقت وزمان، ولا يجوز فى وصفه زيادة ولا نقصان، ولا يخصه هيئة وقد، ولا يقطعه نهاية وحد، ولا يحله حادث، ولا يحمله على الفعل باعث، ولا يجوز عليه لون ولا كون، ولا ينصره مدد ولا عون، ولا يخرج عن قدرته مقدور، ولا يعزب عن علمه معلوم، ولا هو على فعله كيف يصنع وما يصنع ملوم، لا يقال له: أين ولا حيث ولا كيف ؟ ولا يستفتح له وجود فيقال: متى كان ؟ ولا ينتهى له بقاء فيقال: استوفى الأجل والزمان، ولا يقال: لم فعل ما فعل ؟ إذ لا علة لأفعاله، ولا يقال: ما هو ؟ إذ لا جنس له، فيتميز بإمارة عن أشكاله، يرى لا عن مقابلة، ويرى غيره لا عن مماقلة، ويصنع لا عن مباشرة ومزوالة.
له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، يفعل ما يريد، ويذل لحكمه العبيد، لا يجرى فى سلطانه إلا ما يشاء، ولا يحصل فى ملكه غير ما سبق به القضاء، ما علم أنه يكون من الحادثات أراد أن يكون، وما علم أنه لا يكون مما جاز أن لا يكون، خالق أكساب العباد خيرها وشرها، ومبدع ما فى العالم من الأعيان والآثار قليلها وكثيرها، ومرسل الرسل إلى الأمم من غير وجوب عليه، ومتعبد الأنام على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما لا سبيل لأحد باللوم والاعتراض عليه، ومؤيد نبينا صلى الله عليه وسلم بالمعجزات الظاهرة، والآيات الزاهرة بما أوضح به اليقين.
v       لا يقال للمعبود: كيف هو ؟ لأنه يستخبر بكيف عن الهيئة والحال، والله سبحانه وتعالى لا هيئة ولا حال.
v           ولا يقال: ما لونه ؟ لأن الألوان متضادة فهى مستحيلة فى حقه
v     ولا يقال: أين هو ؟ لأن أين يستخبر بها عن المكان، وهو سبحانه لا مكان له يأويه.
v           ولا يقال: كم هو ؟ لأن كم يستخبر بها عن العدد، وهو سبحانه لا عدد له.
v          ولا يقال: متى كان ؟ لأن متى سؤال عن الزمان، وهو قديم لا يجرى عليه زمان.
v      ولا يقال: له ولد وزوجة، لأن الولد بعض الوالد، وهو تعالى أحدى الذات، ولأن الزوجة لمن جازت عليه الشهوة، والشهوة توجب حالة المشتهى إلى المشتهى إليه، وذلك سمة الحدوث، لا علة لصنعه.

No comments:

Post a Comment