الدليل
على وجـود الله تعالى 2
قيل
لأحد العارفين بالله تعالى: ما الدليل على وجود الله تعالى؟، قال: ومتى غاب سبحانه
وتعالى حتى تسألونى عن وجوده، آمن به المؤمن ولم ير ذاته، وأنكره الجاحد ووجوده فى
ملك الله دليل على وجود الله تعالى.
وقال
رجل للنورى: ما الدليل على وجود الله تعالى؟ قال: الله. قال الرجل: فما بال العقل؟
قال: العقل عاجز، والعاجز لا يدل إلا على عاجز مثله. لما خلق الله تعالى العقل قال
له: من أنا؟ فسكت فكحله بنور الوحدانية، فقال: أنت الله. فلم يكن للعقل أن يعرف
الله تعالى إلا بالله.
وسُئل
ذو النون: بما عرفت ربك؟، قال: عرفت ربى بربى، ولولا ربى لما عرفت ربى.
وقال
أحمد بن حنبل: إذا كانت لدينا قلعة حصينة ملساء لا فرجة فيها، ظاهرة كالفضة
المذابة، وباطنها كالذهب الأبريز، ثم انشقت الجدران وخرج من القلعة حيوان سميع
بصير، فلابد من فاعل ـ عنى بذلك: بالقلعة البيضة، وبالحيوان الفرخ، وبالفضة البياض،
وبالذهب الصفار ـ وقال لهم: اسمعوا وانظروا عمل الصانع: البياض، والصفار.
أراد
بعض الدهرية أن يقتلوا أبو حنيفة، فوجدوه فى المسجد قاعداً، فهجم عليه جماعة بسيوف
مسلولة وهموا بقتله، فقال لهم: أجيبونى عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم؟، فقالوا له:
هات، فقال: ما تقولون فى رجل يقول لكم إنى رأيت سفينة مشحونة بالأحمال، مملوءة من
الأثقال، قد احتوشها فى لجة البحر أمواج متلاطمة، ورياح مختلفة، وهى من بينها تجرى
مستوية ليس لها ملاح يجرى بها، ولا متعهد يدفعها، هل يجوز ذلك فى العقل؟ قالوا: لا..
هذا شئ لا يقبله العقل، قال أبو حنيفة: يا سبحان الله.. إذ لم يجز فى العقل سفينة
تجرى فى البحر، مستوية من غير متعهد، فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف
أحوالها، وتغير أعمالها، وسعة أطرافها، وتباين أكنافها، من غير صانع وحافظ. فبكوا
جميعاً، وقالوا: صدقت. وأغمدوا سيوفهم وتابوا.
أنكر
بعض الزنادقة الصانع عند جعفر الصادق رضى الله عنه فقال جعفر: هل ركبت البحر؟ قال
نعم، قال: هل رأيت أهواله؟ قال: بلى، هاجت يوما رياح هلكة فكسرت السفن، وغرقت
الملاحين، فتعلقت أنا ببعض ألواحها، ثم ذهب عنى ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع فى تلاطم
الأمواج، حتى دفعت إلى الساحل. فقال جعفر: قد كان اعتمادك من قبل على السفينة
والملاح، ثم على اللوح حتى تنجيك، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك أسلمت نفسك للهلاك؟
أم كنت ترجو السلامة بعد؟
قال: بل رجوت السلامة، قال: ممن كنت ترجوها؟، فسكت الرجل، فقال جعفر: إن الصانع هو
الذى كنت ترجوه فى ذلك الوقت،وهو الذى أنجاك من الغرق، فأسلم الرجل.
وأكبر
دليل علمى على وجود الله تعالى هو خلق الأرض، فلقد خلقها سبحانه وتعالى بمقاييس
محسوبة، وبدقة بالغة ليس فيها تفاوت، فلو كانت الأرض صغيرة كالقمر، أو حتى لو أن
قطرها كان ربع قطرها الحالى لعجزت عن احتفاظها بالغلافين الهوائى والمائى اللذين
يحيطان بها، ولصارت درجة الحرارة فيها بالغة حتى الموت. ولو كان قطر الأرض ضعف
قطرها الحالى لتضاعفت مساحة سطحها وأصبحت أربعة أضعاف، وأصبحت جاذبيتها للأجسام
ضعف ما هي عليه، وانخفض تبعاً لذلك ارتفاع غلافها الهوائى، وزاد الضغط الجوى من
كيلو جرام واحد إلى كيلو جرامين على السنتيمتر المربع، مما يؤثر فى الحياة على سطح
الأرض.
ولو
كانت الأرض فى حجم الشمس مع احتفاظها بكثافتها، لتضاعفت جاذبيتها للأجسام التى
عليها مائة وخمسين ضعفا، ولنقص ارتفاع الغلاف الجوى إلى أربعة أميال بدلاً من
خمسمائة ميل، ولأصبح تبخر الماء مستحيلا، ولارتفع الضغط الجوى إلى ما يزيد على مائة وخمسين كيلو جراما على السنتيمتر
المربع، ولوصل وزن الحيوان الذى يزن حالياً رطلا واحداً إلى مائة وخمسين رطلا،
ولتضاءل حجم الإنسان حتى صار فى حجم السنجاب، ولتعذرت الحياة الفكرية لمثل هذه
المخلوقات.
فالأرض
بحجمها وبعدها الحالى عن الشمس، وسرعتها فى مدارها تهيئ للإنسان أسباب الحياة
والاستمتاع فى صورها المادية والفكرية والروحية.
وحيث
أن سرعة دوران الأرض حول الشمس ثمانية عشر ميلا فى الثانية، فإذا زاد معدل الدوران
إلى ستة أميال أو أربعين ميلا فى الثانية، فإذا بعدنا عن الشمس أو قربنا منها يكون
بحيث يمتنع معه وجود حياة على سطح الأرض.
كما
أن الكرة الأرضية مائلة بزاوية قدرها ثلاث
وعشرون درجة، فلو أن الكرة الأرضية لم تكن مائلة لكان القطبان فى حالة غسق دائم،
ولصار بخار الماء المنبعث من المحيطات يتحرك شمالا وجنوبا مكدسا فى طريقه قارات من
الجليد، وربما ترك صحراء عند خط الاستواء من الملح، وفى هذه الحالة كانت تنبعث
أنهار من الجليد وتتدفق خلال أودية إلى قاع المحيط المغطى بالملح لتكون بركا مؤقتة
من الملح الأجاج، وكان ثقل الكتلة الهائلة من الجليد يضغط على القطبين فيؤدى ذلك
إلى فرطحه خط الاستواء أو فورانه، أو على الأقل يتطلب منطقة استوائية جديدة. كما
أن انخفاض المحيط يقلل هبوط المطر فى كافة أرجاء العالم، مما ينتج عن ذلك عواقب
ضخمة ومخيفة.
ولو
كان القمر يبعد عنا خمسين ألف ميل مثلا بدلا من المسافته الشائعة التى يبعد بها
عنا فعلا، فإن المد كان يبلغ من القوة بحيث أن جميع الأراضي التى تحت منسوب الماء
كانت تُغمر مرتين فى اليوم بماء متدفق يزيح بقوته الجبال نفسها، وإذا حدث ذلك فإن
الكرة الأرضية تتحطم من هذا الاضطراب، وأحدث المد الذى فى الهواء أعاصير كل يوم.
"هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون فى ضلال مبين
". [ لقمان 11 ]
No comments:
Post a Comment