Friday, April 3, 2020

التوحيد بالله تعالى 6

التوحيد بالله تعالى 6
قال يحيى بن معاذ الرازى: قد ظهر لى سر من قولى: " من عرف نفسه عرف ربه " ما دعانى لكشفه ووصفه. فالله سبحانه وتعالى وضع هذه الروح الروحانية فى هذه الجثة الجثمانية، لطيفة لاهوتيه، مودعة فى كثيفة ناسوتية، دالة على وحدانيته تعالى وعلى ربوبيته، ووجه الاستدلال من عشرة أوجه:
v         أن هذا الهيكل الإنسانى لما كان مفتقراً إلى محرك ومدبر، وهذه الروح مدبره ومحركه، علمنا أن هذا العالم لابد له من محرك ومدبر.
v           لما كان مدبر الجسد واحدا وهو الروح، علمنا أن مدبر هذا العالم واحدا لا شريك له فى تدبيره وتقديره، ولا يجوز أن يكون له شريك فى ملكه. قال تعالى: " لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ " [ الأنبياء 22 ]، " قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا " [ الإسراء 42 ـ 43 ]، " مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ". [ الحج 91 ]
v         لما كان هذا الجسد لا يتحرك إلا بإرادة الروح وتحريكها، علمنا أنه لا يتحرك كائن بخير أو شر إلا بتحريك الله تعالى وقدرته وإرادته وقضائه.
v       لما كان لا يتحرك فى الجسد شئ إلا بعلم الروح وشعورها به، لا يخفى على الروح من حركات الجسد وسكناته شئ، علمنا انه تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء.
v           لما كان هذا الجسد لم يكن فيه شئ أقرب إلى الروح من شئ، بل هو قريب إلى كل شئ فى الجسد، علمنا أنه عز وجل قريب إلى كل شئ، ليس شئ أقرب إليه من شئ، ولا شئ أبعد إليه من شئ، لا بمعنى قرب المسافة، لأنه منزه عن ذلك.
v           لما كان الروح موجودا قبل وجود الجسد، ويكون موجودا بعد عدمه، علمنا أنه تعالى موجودا قبل كون خلقه، ويكون موجودا بعد عدمهم، ما زال ولا يزال، وتقدس عن الزوال.
v           لما كان الروح فى الجسد لا يعرف له كيفية، علمنا أنه تعالى مقدس عن الكيفية.
v           لما كان الروح فى الجسد لا يعرف له كيفية ولا أينية، علمنا أنه تعالى منزه عن الكيفية والأينية، فلا يوصف بأين ولا كيف، بل الروح موجودة فى سائر الجسد، ما خلا منه شئ من الجسد، وكذلك الحق سبحانه وتعالى موجود فى كل مكان، ما خلا منه مكان، وتنزه عز وجل عن المكان والزمان.
v           لما كان الروح فى الجسد لا يحس ولا يجس ولا يمس، علمنا أنه تعالى منزه عن الحس والجس واللمس والمس.
v           لما كان الروح فى الجسد لا يدرك بالبصر، ولا يمثل بالصور، علمنا أنه لا تدركه الأبصار، ولا يمثل بالصور والآثار، ولا يشبه بالشموس والأقمار. قال تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ". [ الشورى11 ]
فهذا هو معنى قولى: من عرف نفسه عرف ربه، فطوبى لمن عرف، وبذنبه اعترف.
وقال الإمام النووى فى هذا القول: من عرف نفسه بالضعف والافتقار إلى الله تعالى والعبودية له، عرف ربه بالقوة والربوبية والكمال المطلق والصفات العلى.
وقال الإمام أبو العباس المرسى: أن من عرف نفسه بذلها وعجزها وفقرها عرف الله تعالى بعزه وقدرته وغناه، فتكون معرفة النفس أولا ثم معرفة الله تعالى بعد ذلك. أو أن من عرف نفسه فقد دل ذلك منه على أنه عرف الله تعالى من قبل، فالأول حال السالكين، والثانى حال المجذوبين.
وقال الإمام أبو طالب المكى: إذا عرفت صفات نفسك فى معاملة الخلق وأنت تكره الاعتراض عليك فى أفعالك، وأن يعاب عليك ما تصنعه، عرفت منها صفات خالقك، وأنه يكره ذلك، فارض بقضائه، وعامله بما تحب أن تعامل به.
وقال الإمام جلال الدين السيوطى: أنك تعرف أن صفات نفسك على الضد من صفات ربك، فمن عرف نفسه بالفناء عرف ربه بالبقاء، ومن عرف نفسه بالجفاء والخطأ عرف ربه بالوفاء والعطاء، ومن عرف نفسه كما هى، عرف ربه كما هو، واعلم أنه لا سبيل لك إلى معرفة إياك كما إياك، فكيف لك السبيل إلى معرفة إياه كما إياه، فكأنه فى قوله: من عرف نفسه عرف ربه علق المستحيل على مستحيل، لأنه مستحيل أن تعرف نفسك وكيفيتها وكميتها، فإنك إذا كنت لا تطيق بأن تصف نفسك التى هى بين جنبيك بكيفية وأينية ولا بسجية ولا هيكلية ولا هى بمرئية، فكيف يليق بعبوديتك أن تصف الربوبية بكيف وأين، وهو مقدس عن الكيف والأين.
أرسل الزمخشري صاحب تفسير الكشاف إلى أبي حامد الغزالي رسالة طلب منه فيها تفسير آيات الصفات ومنها (الرحمن على العرش استوى)، فأجابه الإمام الغزالي بهذه الأبيات:
قُلْ لِمَنْ يَفْهَمُ عَنِّي مَا أَقُولُ               قَصَرَ الْقَوْلُ فَذَا شَرْحٌ يَطُولْ
هُوَ سِرٌّ غَامِضٌ مِنْ دُونِهِ                 ضُرِبَتْ وَاللَّهِ أَعْنَاقُ الْفُحُولْ
أَنْتَ لَا تَعْرِفُ إِيَّاكَ وَلَا                     تَدْرِ مَنْ أَنْتَ وَلَا كَيْفَ الْوُصُولْ
لَا وَلَا تَدْرِ صِفَاتٍ رُكِّبَتْ                   فِيكَ حَارَتْ فِي خَفَايَاهَا الْعُقُولْ
أَيْنَ مِنْكَ الرُّوحُ فِي جَوْهَرِهَا             هَلْ تَرَاهَا فَتَرَى كَيْفَ تَجُولْ
هَذِهِ الْأَنْفَاسُ هَلْ تَحْصُرُهَا                لَا وَلَا تَدْرِي مَتَى مِنْكَ تَزُولْ
أَيْنَ مِنْكَ الْعَقْلُ وَالْفَهْمُ إِذَا                 غَلَبَ النَّوْمُ فَقُلْ لِي يَا جَهُولْ
أَنْتَ أَكْلُ الْخُبْزِ لَا تَعْرِفُهُ                   كَيْفَ يَجْرِي مِنْكَ أَمْ كَيْفَ تَبُولْ
فَإِذَا كَانَتْ طَوَايَاكَ الَّتِي                    بَيْنَ جَنْبَيْكَ كَذَا فِيهَا خُلُولْ
كَيْفَ تَدْرِي مَنْ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى    لَا تَقُلْ كَيْفَ اسْتَوَى كَيْفَ النُّزُولْ
كَيْفَ تَجَلَّى اللَّهُ أَمْ كَيْفَ يُرَى              فَلَعَمْرِي لَيْسَ ذَا إِلَّا فُضُولْ
هُوَ لَا كَيْفَ وَلَا أَيْنَ لَهُ وَهُوَ              رَبُّ الْكَيْفِ وَالْكَيْفُ يَحُولْ
وَهُوَ فَوْقَ الْفَوْقِ لَا فَوْقَ لَهُ              وَهُوَ فِي كُلِّ النَّوَاحِي لَا يَزُولْ
جَلَّ ذَاتًا وَصِفَاتًا وَسَمَا                    وَتَعَالَى قَدْرُهُ عَمَّا أَقُولْ

No comments:

Post a Comment