الدليل
على وجود الله تعالى 4
فعظامه
كالجبال، والمخ كالمعادن، وجوفه كالبحار، وأمعاؤه كالأنهار، وعروقه كالجداول،
ولحمه كالتراب، وشعره كالنبات، ووجهه إلى القدم كالعمران، وظهره كالخراب، وأمام
وجهه كالمشرق، وخلف ظهره كالمغرب، ويمينه كالجنوب، ويساره كالشمال، وتنفسه كالرياح،
وكلامه كالرعد، وأصواته كالصواعق، وضحكه كضوء النهار، وبكاؤه كالمطر، وبؤسه وحزنه
كظلمة الليل، ونومه كالموت، ويقظته كالحياة، وأيام صباه كأيام الربيع، وأيام شبابه
كأيام الصيف، وأيام كهولته كأيام الخريف، وأيام شيخوخته كأيام الشتاء، وحركاته
وأفعاله كحركات الكواكب ودورانها.
كما
نجد أحوال القمر تشبه أحوال الإنسان: فالقمر يبتدئ من أول الشهر بالزيادة فى النور
والكمال إلى أن يتم فى نصف الشهر، ثم يأخذ فى النقصان والاضمحلال والمحاق إلى آخر
الشهر، كذلك الإنسان فى الدنيا يبدأ من أول الأمر بالزيادة فينمو وينشأ إلى أن يتم
ويستكمل، ثم يأخذ فى الانحطاط والنقصان إلى أن يضمحل ويتلاشى ويفنى.
وهذا
هو الإنسان الذى خُلق من نطفة قذرة، فيه العديد والعديد من الآيات الشاهدات على
وجود خالق له، قادر على خلقه بهذه المعجزات الباهرات، فى هذا الشكل المقسم والمرتب
والمنظم بدقة وبحكمة، لا يقدر على خلقه سوى الله تعالى.
قال
تعالى: " أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا
هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ " [ يس 77 ]، أخبر تعالى أنه قدر على تصوير الإنسان
على ما فيه من التركيب العجيب، والتأليف اللطيف، من نطفة متماثلة الأجزاء، متشاكلة
فى وقت الإنشاء، مختلفة الأعضاء وقت الإظهار والإبداء، والخروج من الخفاء، ثم ما
رَكَّب فيه من تمييز وعقل، ويَسّر له النطق والفعل، والتدبير فى الأمور،
والاستيلاء على الحيوانات على وجه التسخير.
من
أنت أيها الإنسان؟ إلا ترى إلى ريح إبطك إذا عرقت !! وإلى ريح فمك إذا جعت !!
ومن
رحمة الله تعالى بعباده أن جعل ما كان الاحتياج إليه أشد كان وجدانه أسهل، وكل ما
كان الاحتياج إليه أقل كان وجدانه أصعب.
فلما
كان احتياج الإنسان إلى الهواء أعظم الحاجات حتى لو انقطع عنه فترة قصيرة لمات،
كان وجدانه أسهل من وجدان كل شئ. وبعد
الهواء الماء، فإن الحاجة إليه شديدة لكن أقل من الهواء، لذا فوجود الماء سهل لكن
لابد فيه من تكلف الاغتراف، بخلاف الهواء الموجود فى كل مكان. ثم بعد الماء الحاجة
إلى الطعام شديدة، لكنها أقل من الحاجة إلى الماء، لذلك كان تحصيل الطعام أصعب من
تحصيل الماء، وهكذا....
وفى
الحشرات نجد الكثير من المعجزات الدالات على وجوده تعالى، وعلى خلقه الخلق كيف
يشاء، وعلى صنعه الذى يعجز عنه أى مخلوق من خلقه، فانظر مثلا إلى النمل. وهو من
صغائر خلق الله تعالى: كيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر، وسوى
له العظم والبشر. أنظر إلى النملة فى صغر جثتها، ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ
البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على الأرض وسعت فى مناكبها، وطلبت رزقها، تنقل
الحبة إلى حجرها، وتجمع فى حرها لبردها، وفى وردها لصدرها، لا يغفل عنها المنان،
ولا يحرمها الديدان.
ولو
فكرت فى مجارى أكلها، فى علوها وسفلها، وما فى الجوف من شراسيف بطنها، وما فى
الرأس من عينها وأذنها، لرأيت من خلقها عجبا، وللقيت من وصفها تعبا، فتعالى الذى
أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يشركه فى فطرتها فاطر، ولم يعنه على
خلقها قادر، لا إله إلا هو ولا معبود سواه.
انظر
إليها إذا خافت على حبها أن يعفن أخرجته إلى ظهر الأرض ليجف، وأنظر إلى عملها بفلق
الحبة نصفين خوفا من أن تنبت فتفسد، إلا الكزبرة فإنها تفلقها أربعا لأنها من دون
الحب ينبت نصفها، فسبحان من ألهمها ذلك.
سبحان
من يعلم دبيب أرجل النملة السمراء، فى الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء.
وفى
الحيوانات العديد من العجائب التى لا تحصى، فالأيائل عندما تأكل الأفاعى فى الصيف
تحمى وتلهب حرارتها، فتطلب الماء، فإذا وقعت عليه امتنعت من شربه وحامت حوله
تتنسمه، لأنها إن شربته فى تلك الحال وصادف الماء السم الذى فى جوفها تلفت، فلا
تزال تدافع شرب الماء حتى يطول الزمان فيسكن فوارن السم، ثم تشربه فلا يضرها. فمن
الذى علمها ذلك.
فمن
الواجب على كل مؤمن أن يتفكر فى خلق الله تعالى، وكلما أمعن النظر فى مخلوقات الله
تعالى ازداد هداية ويقينا، ونورا وتحقيقا، لا يتأتى إلا من كانت له خبرة بالعلوم
والرياضيات.
قال
تعالى: " أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا
وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ " [ ق 6 ] فليس المراد من النظر إلى
مخلوقات الله تعالى هو تقليب الحدقة نحوها، فإن البهائم تشارك الإنسان فيه، ومن لم
ير من السماء إلا زرقتها، ومن الأرض إلا غبرتها، فهو مشارك للبهائم فى ذلك وأدنى
حالا منها، وأشد غفلة، لقوله تعالى: " لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا
وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا
أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ
". [ الأعراف 179 ]
فالمراد
من النظر هو التفكر فى المعقولات، والنظر فى المحسوسات، والبحث عن حكمتها
وتصاريفها ليظهر له حقائقها، فإنها سبب اللذات الدنيوية، والسعادات الأخروية.
No comments:
Post a Comment