الدليل على وجـود الله تعالى 1
دعا
الإسلام بقوة إلى التوحيد، وليس إلى إثبات وجود الله تعالى، لأن الله تعالى لا
يحتاج فى إثباته وفى وجوده إلى دليل، فالعالم ثابت به، فالسموات والأرض وما عليها
موجود بوجوده، وثابت بثباته، والوجود بأكمله محتاج فى كل لحظة إليه، فضلا عن
احتياجه إليه فى نشأته الأولى ووجوده الأصلى.
ويرى
البعض أن الاستدلال على وجود الله تعالى هو من شأن العامة والجمهور، وليس من شأن
الخاصة والصفوة. ويقول الإمام تاج الدين بن عطاء السكندرى معبرا فى ذلك عن رأى
الصفوة: إن أهل الشهود والعيان قدسوا الحق فى ظهوره عن أن يحتاج إلى دليل يدل عليه،
وكيف يحتاج إلى دليل من نصب الدليل؟ وكيف يكون معروفا به وهو المعروف له؟. فشتان
بين من يستدل به، ومن يستدل عليه. المستدل به عرف الحق لأهله، فأثبت الأمر عن وجود
أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه؟.
فهؤلاء
الصفوة يرون أن الله هو الدليل على العالم، فهم يستدلون بالله تعالى على وجود
العالم، ولا يستدلون بوجود العالم على وجود الله عز وجل.
سأل
أحد الملحدين تلميذا له فقال: أقم لى دليلا واحدا على وجود الله، وأنا أومن لك به.
فأجاب التلميذ: وأنت أقم لى دليلا واحدا على عدم وجوده، وأنا اكفر به. فبهت الذى
كفر.
ومن
الآيات الدالة على وجوده سبحانه وتعالى: قال
جلال الدين الرومى:
v النحل كلها تأكل
من مكان واحد، ولكن يجئ من بعضها اللدغ، ومن بعضها الآخر العسل.
v الغزلان نوعان
كلاهما يأكل العشب ويشرب الماء، ولكن أحدهما يجئ منه البعر، ومن الآخر يأتى المسك
المصفى
v ومن القصب صنفان
يشربان من ماء واحد، ولكن أحدهما خال، والآخر حافل بالسكر.
v وهذه أرض طيبة،
وتلك مالحة رديئة.
وقال
آخر:
جعل
الأبْرَيَسْم (أحسن الحرير) فى الدود وهو أضعف الحيوانات، وجعل العسل فى النحل وهو
أضعف الطيور، وجعل الدر فى الصدف وهو أجوع حيوان من حيوانات البحر، كذلك أودع
الذهب والفضة والفيروز فى الحجر، وأودعت المعرفة به والمحبة له فى قلوب المؤمنين،
وفيهم من يعصى، وفيهم من يخطئ.
يروى
أن كسرى اضطجع ليلا على فراشه، فنظر إلى الفلك فتفكر فى هيئته واستدارته، فقال:
أيها الفلك.. إن بناء أنت سقفه لعظيم، وإن بيتا أنت غطاؤه لنظيم، وإن شيئا أنت
تظله لكبير، وإن فيك لعجبا للمتعجبين، أعلى عمد من تحتك تتمسك؟ أو بمعاليق من فوقك
تتعلق؟ ولعمرى أن ملكا أمسكتك قدرته لملك قدير، وإنه فى إستدارتك بتقديره لحكيم
خبير، وإن جهل من غفل عن التفكير فى هذه العظمة لهو صغير.
كم
أفنت هذه النجوم من القرون، وكم سحبت قبلنا أمما فى سالف العصور، فبم طلوعك حين
تطلعين، وبم مسيرك حين تسيرين، وأفولك حين تأفلين، وعلام سقوطك حين تغيبين..
أساكنة أنت أم تتحركين؟ أم كيف صفتك التى بها تتصفين؟ ولونك الذى به تتوسمين؟ ومن
سماك بأسمائك التى بها تعرفين؟ فسبحان من لأمره تنقادين، وبمشيئته تجرين، وبصنعته
استقامتك حين تستقيمين، ورجوعك حين ترجعين، واستنارتك حين تستنيرين، وبروزك حين
تبرزين.
سألوا
الإمام الشافعى: ما الدليل على وجود الصانع؟ قال: ورقة التوت طعمها ولونها وريحها
وطبعها واحد عندكم، قالوا: نعم، قال: فتأكلها دودة القز فيخرج منها الأبريسم (الحرير)،
والنحل فيخرج منه العسل، والشاة فتربى اللحم ويخرج اللبن، ويأكلها الظباء فتغذيها
وينعقد فى نوافجها المسك، فمن الذى جعل هذه الأشياء متنوعة الإفرازات، والغذاء
واحد.
سأل
هارون الرشيد الإمام مالك عن الدليل على وجود الصانع، فاستدل باختلاف الأصوات،
وتردد النغمات، وتفاوت اللغات، واختلاف الحيوانات.
سئل
أبو نواس عنه فقال:
تأمل فى نبات الأرض وأنظر إلى أثار ما صنــع المليك
عيون من لجين شاخصـــات بأحداق كما الذهب السبيك
على قُضُبِ الزبرجد شاهدات بأن اللـه ليس لــه شريك
وسئل
أعرابى عن الدليل على وجود الله تعالى فقال: البعرة تدل على البعير، والروث على
الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات
أمواج، أما تدل على الصانع الحكيم، القدير العليم الحليم.
وسئل
طبيب: بما عرفت ربك؟ قال: بأهليلج مجفف أطلق، ولعاب ملين أمسك، وعلامات موت أشفى،
وعلامات صحة أميت.
وقال
حكيم: أشهد أن السموات والأرض آيات وآلات، وشواهد قائمات، كل يؤدى عنه الحجة،
ويشهد له بالربوبية.
وقال
الفضل بن عيسى بن أبان: سَلِ الأرضَ فقل لها: مَنْ شقَّ أنهارك، وغَرس أشجارك،
وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حِوارا، أجابتك اعتبارا.
وقال
حكيم: لا أعرف شيئاً إلا الله تعالى، وقد أغلقت عينى ثم فتحتها فلم أر شيئاً غير
الله تعالى. [أى رأى جميع المخلوقات، فاستدل على الخالق]
وكان
لأبى ذر الغفارى رضى الله عنه صنم يعبده أيام الجاهلية، فجاء ذات يوم ليقدم له
مراسيم الطاعة والولاء، فوجد بللا برأسه، فنظر فى الأمر !! من الذى أصابه بالبلل؟
فوجد ثعلبا، فعلم أنه بال على صنمه، فنظر أبو ذر إلى معبوده، وقال فى عبارة نسج
خيوطها من ضياء التوحيد:
رب
يبـــــــول الثعلبـــــان برأســـه لقد
ذل من بالت عليه الثعالب
فلــــو كان ربـا كان يمـــنع نفســـه فلا خير في رب نأته المطالب
برئت من الأصنام في الأرض كلها وآمنت بالله الذي هــــوغـالب
فلــــو كان ربـا كان يمـــنع نفســـه فلا خير في رب نأته المطالب
برئت من الأصنام في الأرض كلها وآمنت بالله الذي هــــوغـالب
No comments:
Post a Comment