Friday, April 3, 2020

التوحيد بالله تعالى 5


التوحيد بالله تعالى 5
من مناجاة لذى النون المصرى:
" إلهى.. ما أصغيت إلى صوت حيوان، ولا إلى حفيف شجر، ولا خرير ماء، ولا ترنم طائر، ولا تنعم طل، ولا دوى ريح، ولا قعقعة رعد، إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك، دالة على أنه ليس كمثلك شىء.
قال الشبلى: الواحد المعروف، قبل الحدود وقبل الحروف. فهذا صريح من الشبلى أن القديم سبحانه وتعالى لا حد لذاته، ولا حروف لكلامه.
قال الجنيد: سئل بعض العلماء عن التوحيد فقال: هو اليقين، فقال السائل: بين لى ما هو ؟ فقال: هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل الله عز وجل وحده لا شريك له، فإذا فعلت ذلك فقد وحدته.
وقام رجل بين يدى ذى النون المصرى فقال: أخبرنى عن التوحيد ما هو ؟، فقال: هو أن تعلم أن قدرة الله تعالى فى الأشياء بلا مزاج، وصنعه للأشياء بلا علاج، وعلة كل شىء صنعه، ولا علة لصنعه، وليس فى السموات العلا ولا الأرضين السفلى مدبر غير الله تعالى، وكل ما تصور فى وهمك فالله تعالى بخلاف ذلك.
وسئل الجنيد عن التوحيد فقال: إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته، أنه الواحد الذى لم يلد ولم يولد، بنفى الأضداد والأنداد والأشياء، بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل، ليس كمثله شىء وهو السميع البصير.
وقال الجنيد: التوحيد علمك وإقرارك بأن الله تعالى فرد فى أزليته، لا ثانى معه ولا شىء يفعل فعله.
وقال جعفر الصادق رضى الله عنه: من زعم أن الله تعالى فى شىء، أو من شىء، أو على شىء فقد أشرك. لو كان على شىء لكان محمولاً، ولو كان فى شىء لكان محصوراً، ولو كان من شىء لكان محدثاً. فالله تعالى محيط بعرشه فوق كل شىء، وفوق تحت كل شىء، فهو فوق الفوق، وفوق التحت، ولا يوصف بتحت فيكون له فوق، لأنه العلى الأعلى، أين كان لا يخلو من علمه وقدرته مكان، ولا يُحد بمكان، ولا يفقد من مكان، ولا يوجد بمكان، فالتحت الأسفل، والفوق الأعلى، وهو سبحانه فوق كل فوق، وفوق كل تحت فى السمو.
قال الإمام القشيرى: من علم أنه بالله علم أنه لله، فإذا علم أنه لله لم يبق فيه نصيب لغير الله، فهو مستسلم لحكم الله، لا معترض على تقدير الله، ولا معارض لاختيار الله، ولا معرض عن إعتناق أمر الله تعالى.
وسئل الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه: بما عرفت ربك ؟ قال: بما عرفنى نفسه، لا تشبهه صورة، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب فى بعده، بعيد فى قربه، فوق كل شىء ولا يقال تحته شىء، أمام كل شىء ولا يقال شىء أمامه، داخل فى الأشياء، لا كشىء، ولا من شئ، ولا فى شئ، ولا بشىء، سبحانه هو هكذا ولا هكذا غيره.
وكان التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل. والتوحيد هو أول واجب، وآخر واجب، وهو أول ما يدخل الإنسان فى الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا. قال صلى الله عليه وسلم: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ".
والرسل جميعاً دعت إلى التوحيد بالله تعالى من حيث:
v           إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه ليس كمثله شئ.
v          توحيد الطلب والقصد بالدعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يُعبد دونه.
v           وفى القرآن الكريم نجد أن جميع الرسل دعت إلى التوحيد بالله تعالى:
v      " لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ". [ الأعراف 59]
v          " وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ". [ الأعراف 65 ]
v    " وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ ". [ الأعراف 73 ]
v     " وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ ". [ الأعراف 85 ]
v           " وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ ". [ النحل 36 ]
فجميع الأنبياء أول ما يدعون قومهم إليه إنما إلى عباده الله تعالى، وحده لا شريك له، وقد قام سيدهم وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الدعوة أعظم قيام، فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتى هى أحسن، ولم يفتر ولم يضعف، حتى أقام الله تعالى به الدين، وهدى به الخلق العظيم، ووصل دينه ببركة دعوته إلى مشارق الأرض ومغاربها.
قال العارف بالله عبد العزيز الدباغ: إن مخلوقاته تعالى لا حد لها وأنها مختلفة، فتنقسم إلى إنس وجن وحيوان، وغير ذلك من الأنواع التى لا يعلمها أكثر الخلق، ومع هذه الكثرة فهو تعالى واحد فى ملكه ولا مدبر معه، ولا وزير له، فهو وحده تعالى يتصرف فيها بجملتها، ولا يفوته منها شئ، ولا يخرج عن قدرته تعالى منها واحد، فهو قاهر للكل، محيط به، كما قال تعالى: "  وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ ". [ البروج 20 ]
وقال الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندرى فى مناجاته: إلهى.. كيف يستدل عليك بما هو فى وجوده مفتقر إليك.. أن يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك.
فالمفتقر إلى الله تعالى فى كلمة ابن عطاء  هو الكون كله، هو هذه الآثار كلها فى وجودها، وفى ارتباطها، وفى إمساكها، وفى العناية بها.
ثم يتابع مناجاته فيقول: متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هى توصل إليك ؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هى التى توصل إليك ؟.
قال ابن نباته: الحمد لله تعالى الذى تدكدكت لعظمته الجبال الرأسية، العليم فلا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تخفى عليه فى الكون خافية، احتجب فى حجاب جلاله فلا تراه العيون، وتفرد فى صفات كماله فلا تخالطه الظنون، أحمده سبحانه وتعالى حمداً لا بلوغ لمنتهاه، وأشكره شكر عبد طلب من ربه رضاه.
ذكر رشاد رشدى فى أهرام 24 / 1 / 1980 أنه راعه أن قرأ فى بعض البرديات المصرية القديمة المترجمة: الله واحد أحد، الله هو الباقى وكل ما عدا الله فان.. لا أحد من البشر يملك كيف يعرف الله، لله أسماء لا حصر لها.. الله هو الحق.. الله هو وحده الذى لم يولد، والله هو الذى صنع السموات والأرض، والله هو وحده الذى يقول للشىء كن فيكون.. الله رحيم بعباده.. ومستجيب لدعاء من يدعوه.
قال حصين بن عتبة قال لى النبى صلى الله عليه وسلم: " يا حصين ما تعبد ؟ " قلت: أعبد عشرة آلهة، قال: " ما هم ؟ وأين هم ؟، " قلت: تسعة فى الأرض وواحد فى السماء، قال: " فمن لحاجتك ؟ "، قلت: الذى فى السماء، قال: " فمن لطلبتك ؟ "، قلت: الذى فى السماء، قال: " فمن لكذا "، قلت: كذا، كل مرة أقول الذى فى السماء، فقال عليه السلام: " فانف التسعة ".
وكان من دعائه عليه السلام الدال على وحدانيته: اللهم لست بإله استحدثناه، ولا رب ابتدعناه، ولا كان لنا من قبلك إله نلجأ إليه ونذرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشركه فيك، تباركت وتعاليت.
وقال شاعر:
ولى فى فناء الخلق أكبر عبرة     عما كان فى بحر الحقيقة راقى
شخوص وأشكال تمر وتنقضى    فتفنى جميعا والمهيمن باقــــى
تأتى أقوام، وتموت أقوام، ويدرك الناس الموت والإعدام، ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
كان للجنيد البغدادى مريد يحبه أكثر من الجميع فحسده الآخرون، وأدرك الشيخ ذلك بفراسته، وقال: أنه يفوق الجميع أدبا وفهما، ونحن مزمعون الامتحان حتى يتبين لكم ذلك، فأمر أن يحضروا عشرين طائرا ( على عددهم )، وقال: فليأخذ كل مريد منكم واحدا، ويذهب فيذبحه فى مكان لا يراه أحد، فاذبحوها وأتوا بها. فذهبوا جميعا وذبحوا وعادوا، إلا ذلك المريد الذى عاد بطائره حيا، فسأله الشيخ: لماذا لم تذبحه ؟ قال: لأنك أمرتنى بذبحه فى مكان لا يرانى فيه أحد، وكلما ذهبت إلى مكان وجدت الله تعالى يرانى، قال: أرأيتم الفرق بين فهمه وفهم الآخرين ؟، فاستغفروا جميعاً.
عن أبى هريرة قال: بينا رجل فيمن كان قبلكم لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد، فقال لأهله: إذا مت فاحرقونى، ثم اسحقونى، ثم ذروا نصفى فى البر، ونصفى فى البحر فى يوم ريح، ففعلوا. فقال الله عز وجل للريح: أدى ما أخذت، فإذا هو بين يديه، فقال له: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: استحياء منك، فغفر له.

No comments:

Post a Comment